الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٢٨٨

-

288 -

-

بين الجماهير الساذجة، وحملهم عليها قولا وعملا، فانساقوا في هذا السبيل، سبيل الآخرة إيثاراً للآجلة على العاجلة، وساعدهم على تحورهم من مهام الملك التي تستنزف جهودهم وأوقاتهم، وتحملهم على اعتناق الحياة المادية طوعاً أو كرهاً.

أجل إنهم وإن لم يعرضوا عن الحياة المادية تماماً إلا أنهم يحيون حياة هزيلة لا تعدو - على عمومها - تربية المواشى وفلاحة الحبوب، وغرس النخيل والأشجار سما الزياتين. إلى شيء من تجارة حمادها المقايضة، وإذا قدر لبعض الأشياخ - مثلا - أن يكون ذا ثروة فإنه يفنيها في كفالة الطلبة الذين ينقطعون الخدمة العلم وإقامة شعائر الدين والوعظ والإرشاد احتساباً وامتثالا لما يأمر به الدين، ويدعو إليه القرآن الكريم، الأمر الذي حفظ للدين تعاليمه وللعلم حقائقه، ولحسن السلوك منهاجه، فكثرت جيوش العلماء وكثر تنقلهم من ناحية إلى أخرى تثبيتاً للأقدام، وإصلاحاً لذات البين، وتصحيحاً للأخطاء، وقياماً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على صعوبة المواصلات وقلة الوسائل، وخوف السابلة وبعد المسافات

ولذلك حافظوا على المذهب الإباضي بين تلك الزعازع والأعاصير العاصفة في مختلف نواحيه، واستطاعوا أن ينازلوا خصومهم الذين يحاولون جهدهم تحويلهم عن عقيدتهم وزعزعتهم عن مراكزهم وحملهم طوعاً أو كرهاً على الذوبان في بوتقتهم

والحق أنهم أوتوا صبراً عجيباً، وقدرة فائقة على تحمل شظف العيش، ومجابهة خشونة الحياة، وترك حظوظ النفس إرضاء لربهم واستعداداً لتحمل الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها

٤٥٥ / ٧٩٩