الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٠!
الأصحاب يفضلون خشونة العيش والكفاف أنهم لا يستطيعون التفرغ للاكتساب مقلتين في أوطانهم، خائفين في أسفارهم مخاطرين عرضة للنهب
والسلب والقتل من جيرانهم بله إمعان الجورة في تجريدهم مما بين أيديهم وتشريدهم في البلاد والنكاية بهم
،
فأنت ترى أن هذه الأجواء التي يتنفسون فيها شبه الغاز المخنق لا يساعدهم على تكوين الثروات ولا على استبقائها، وهل تبقى - لا أبا لك ثروة وسط هذه الزعازع والأعاصير سواء كانت مادية أو أدبية - أجل لولا تلك الفتن الداخلية والخارجية المتوالية والحروب المتتالية وعوامل المحو والإبادة التي تسلطت عليهم خلال القرون فأفقدتهم من الأموال، وأخنت عليهم كما أخنت على ابد، وأنت على ما هنالك من تراث علمى. لأبقت تلك القرائح الوقادة، والعقول الراجحة لنا وللمكتبة الجزائرية من الكنوز والزخائر ما يرفع رأسها عالياً بين أمم التاريخ
ثم لولا ما أنشأوا من مدن، وبنوا من ديار، وغرسوا من بساتين و حفروا من آبار، وأقاموا من سدود، ومدوا من قنوات سواقى الرى في شتى النواحي الصحراوية المتباعدة فكونوا واحات زاهرة مزخرفة تلمع في وسط الصحراء القاحلة لمعان النجوم في سماء ليل بهيم
?
أجل لولا ما نشروا من علم، وركزوا من عقائد صحيحة وقاوموا من بدع مبيرة، ومرنوا الجماهير على اتباع القول العمل، وأحيوا من معالم دين محمد في وسط عصر عمته الفوضى والجهالة وتحكمت فيها الأهواء والنزوات، وطفى سلطان المادة على النفوس فطمس بصائرها أن نتنورالحق فانتهت في محبة الشهوات والحظوظ النفسية وألهاهم التكاثر حتى زاروا