الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٨

398 -

وهو يضم أطراف الأندر، فلما رآني تنحى إلى كسائه فليسه فلاقاني، فصافحته ثم أقبل يعتذر كأنه أساء فى وضع الكساء. وقلت له: وهل في ذلك من بأس. أليس هو العمل في الحلال. فقال:: نعم، ولكن أين من يحسن العمل في الحلال. إنما يحسن ذلك أبو صالح، فقلت: وكيف كان عمله؟ قال: كان في أيام الحصاد يحمل الزرع إلى الأندر على ناقة له. فإذا كان وقت صلاة الضحى، أناخ ناقته وحط عنها حملها، ثم عقلها وحل إزاره وأخذ في الصلاة حتى يصلى ما كان يصلى قبل ذلك. ثم يرجع لناقته، فهكذا العمل في الحلال. إنما هو ما لم يضر بعمل الآخرة.

أحسب أن الأمثلة السابقة كافية لإيضاح الصورة التي أردنا أن نضعها لذلك المجتمع الذى وضع لنفسه سيرة يحافظ عليها كما يحافظ على بقية ما أوصى به الإسلام. ويحاسب أفراده على صغار الأمور وكبارها بلا هوادة ولا تلطف.

وعندما يتأمل القارئ الكريم جميع الصور السابقة التي طبق فيها حكم الهجران على عدد من الأفراد والجماعات يجد أن أكثرها إنما أوقع على ترك الفضائل والمستحسنات. وليس فيها ما أوقع على ارتكاب الكبائر و المحرمات، اللهم إلا ما أسند إلى قبيلة مغراوة من تطفيف السكيل

ويكفى هذا دليلا على مقدار ما كانوا عليه من خلق ودين. ومن قوة فى الإلزام والالتزام بما جاءت به الشريعة السمحة الغراء، إما في نصوصها الثابتة أو ما نقل عن المقتدى بهم في خير القرون، أو ما اتفق عليه المسلمون ورأوه صلاحاً

٤٦٥ / ٧٩٩