الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٥في عهود الجاهلية وسواء في ذلك بلاد العرب وبلاد البربر وغيرها من البلدان التي تعيش في نفس الظروف فلما جاء الإسلام توقفت الأيدى المؤمنة عن التصرف فى أموال الناس ودمائهم إلا بحقها، ثم جعل للحقوق حدوداً قائمة بينة واضحة. وقف الناس عندها والتزموها.
قامت
وكان وقوف بعض الأيدى عن القيام بأعمال الظلم إنما هو نتيجة لخوفها من العقاب الرادع الذى جعله الإسلام جزاء للمعتدين، وكانت بعض الأيدى تحن إلى ما نشأت عليه وتعارفته و افتخرت به في جاهليتها، فلما انحرف الحكام عن إقامة دين الله وعطلوا حدود الله من جهة ثم إنهم هم أنفسهم استباحوا أموال الناس ودمانهم وأعراضهم من جهة أخرى. ثم دعوات باسم الدين أو المذهب تبيح دماء وأموال مخالفيها وأحياناً حتى أعراضهم، سارعت تلك الأيدى التى غلها الخوف من تطبيق الإسلام إلى تطبيق ما عرفته وعادت إلى ما اعتادت عليه من عيشة الجاهلية. بدعوى الانتقام أو عقوبة المخالفين فى الرأى أو في المذهب ثم لم يلبث هذا التعليل واعتباره وسيلة التحليل أن اختفى وأصبح القيام بالغارة وسلب المال وسيلة من وسائل العيش كما كان فى عهود الجاهلية. وأصبحت أغلب الواحات والمدن المتناثرة والقرى الواقعة في الأطراف والأحياء الضعيفة أو قليلة العدد هي مقصد المهاجمين ومنتجع الغاصبين المعتدين. وقد أخذت وارجلان وميزاب حظيهما الوافرين من هذه المصائب وفى هذه العهود الأخيرة اختفت هذه الظواهر وساد الأمن وأصبح المسلمون من البداة يحسون بالرباط الأخوى الذى يربطهم ببقية المسلمين وعرف الناس أجمعون أن تلك الأحوال التي كنا نصفها أحوال لا يرضى عنها دين ولا قانون ولا خلق ولا ضمير ولا يستسيغها عقل ولا منطق وإنما هي نزوة من
نزوات الشهوة والعاطفة العمياء تتحركان في غفلة من العقل والضمير.
(20 - الإباضية)