الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٣- 353
-
وحواليها، فلم يظفر بشيء مما تكرهه عينه، وتعافه نفسه، فقال وقد مد يده بسيفه: ما يخاف الناس إلا من هذا أو من الله. فهذا (يعنى السيف) ليس
هذا موضعه وما منعهم من ذلك إلا خوف الله»
هذه الصورة التي عرضها علينا المؤرخ الكبير أبو العباس الشماخي وهذه الملاحظة الدقيقة التى لاحظها العامل الصنهاجي إنما تدل على شيء واحد هو أن سكان هذه المدينة رغم كثرتهم وضيق مدينتهم كانوا يتأدبون بأدب الإسلام، من المحافظة على النظافة والطهارة ظاهراً وباطناً في أنفسهم
وفى موطنهم بحرص واهتمام.
وإنهم كانوا يحرصون على وسائل الصحة التي دعا الإسلام إليها وحرص على مراعتها قبل أن يستيقظ الطب الحديث وقبل أن تستيقظ لها الحضارة الغربية فتأخذه منا لتبيعه لنا مصنعة فى مناشير وتقارير.
إنه لغريب حقاً أن تجول فى مدينة أو قرية خاصة بالسكان في القرن الخامس الهجرى وتجول في شوارعها وحواليها فلا تقع عينك على قدر تشمئز منه نفسك وينفر منه طبعك. وقد يتيسر في ذلك الحين أن تجد شوارع قرية نظيفة، أما أن تجد الشوارع جميعاً وأن تجد أيضاً ما حول القرية. من النظافة بحيث لا ترى فيه ما تقذى منه العين من بقايا الكناسة أو متناثر السماد الذى يخرجه أهل القرية ليرمى فى مزارع بعيدة تستفيد منه الحقول ولا يتأذى منه الناس. لقد كان هذا الموقف النظيف حقاً غريباً في ذلك العصر وبوسائله، ولسنا نحن فقط نراه غريباً وإنما سبقنا إلى ذلك، ذلك المعاصر الدقيق الملاحظة المرهف الإحساس الذى يفرق بين من يسير بهدى الله ومن يسير بتلويحات السيوف وهمزات السياط.
) 23 - الإباضية)