الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٣٦٦

366 -

لها الأصدقاء والتى توحى بها هذه الآثار هى أبعد ما يمكن أن أتصوره لأصحابنا في تاريخهم المجيد الطويل، وكنت أقول في نفسي إن هذه الآثار التي يبدو عليها الاحتفال بالفن والاهتمام بالعمران ـ والعمل للبقاء والتشبث بالخلود في الدنيا - لا تكون أبداً لأصحابنا. إنها بكل تأكيد ليست من عمل الإباضية. فهى إما أن تكون سبقتهم وإما أن تكون لغيرهم ممن كان يعيش بينهم في عهود الرخاء والازدهار.

إن الإباضية فى تاريخهم الطويل في المغرب الإسلامى لم يحفلوا بهذه النظرة الدنيوية التى ينظر إليها الناس، ولم يأخذوا في حسابهم أبداً أن يبنوا للبقاء، أو يشيدوا للخلود، ولا أن يزخرفوا للجمال، ويشتغلوا للفن، لأن كل ذلك في نظرهم عبث يتنزه عنه المؤمنون. والتماس الخلود في الدنيا يبتعد عنه من يعملون للآخرة وللقاء ربهم ينتظرون.

هذا الوعيد

ولو كان في الزخرفة والاحتفال بالمبانى الشاهقة، وبذل الجهود المضنية لإقامتها خير ما عابها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم على الأمم السابقة مثل قوله تعالى لعاد قوم هود عليه السلام: اتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. واذا بطشتم بطشتم جبارين (1) في أمثالها فكانما الإباضية في المغرب الإسلامي كانوا يخشون أن ينالهم طرف من فكانوا أبعد الناس عن الاهتمام بمظاهر الحضارة الصناعية اللهم إلا في جانب واحد من الحياة ذلك أنهم شيدوا فى كل مكان عاشوا فيه مساجد يخطئها العد في جميع القرى والمدن التي عمروها، وحرصوا على أن تكون تلك المساجد متينة البناء فسيحة تتسع للأعداد الوافرة كما حرصوا أن يخصصوا في تلك المساجد أقساماً للنساء تحجب الرؤية ولا تمنع الصوت لتتمكن المؤمنات من حضور الصلوات والاستماع إلى الدروس ومن مصونات دون أن يؤذين

(1) سورة الشعراء: 128 - 130

٥٣٣ / ٧٩٩