الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٩

و يبدو لي أن هذه الصورة شبيهة كل الشبه بما مر على جربة في الأيام

الأخيرة قبل انحلال مجلس العزابة. وكل ما هنالك من فرق أن المجلس في جربة قد انحل كما انحل في جبل نفوسة وانفرط ذلك العقد الكريم فلم يعد له أثر على المجتمع بل لم يعد له وجود لا شكلا ولا موضوعاً. أما في وارجلان فقد استطاع المجلس أن يصمد وأن يقاوم وأن يحتفظ بمكانه من بيت الله،

واليوم وقد بزغت شمس الحرية على الجزائر العظيمة وانفتحت أبواب

العلم والمعرفة للشباب المسلم في كل الأصقاع وكل الأقطار. وأصبح ميسوراً لأبناء وارجلان الأذكياء أن يلحقوا بمعاهد العلم وأن يغترفوا منها بسهولة ويسر فساهم أن يردوا لوارجلان مجدها العظيم ومركزها التاريخي الرفيع. وأن يغذوا مجلس العزابة بالعناصر المتعلمة المؤمنة التي تجمع بين الثقافة الواسعة الواعية والعقيدة المؤمنة الصادقة والسلوك المهذب القويم، والعمل المتواصل الدءوب ليواصل مجلس العزابة الموقر رسالته العظيمة في كفاح الباطل وكفاح الرذيلة ومحاربة المنكر. وإذا كان أسلافهم الكرام قد بلغوا من غزارة العلم ومتانة الدين وقوة الإرادة ما استطاعوا به أن يقوموا بواجبهم وأن يبلغوا رسالتهم وسط الأعاصير والزوابع فليس للأبناء اليوم عذر في التقهقر أو التخلف أو الانحراف. وإذا كان أولئك الأسلاف العظام بلغوا إلى أسبانيا طلباً للعلم وتوغلوا إلى مجاهل إفريقيا طلبا للرزق و نشراً لدعوة الإسلام فما أحرى هذا الخلف وقد تيسرت له السبل أن يبلغوا ما لم يبلغه أولئك مع معاكسة الزمان وجود الأيام.

٥٥٦ / ٧٩٩