الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٤٠٧

-

- 407 -

-

جميع مرافق الحياة، وكما آوت جربة جميع من هاجر إليها، وقاتهم في جميع مرافق الحياة، وهيأت لهم سبل العيش الكريم. وكما آوى وادي ميزاب ولا يزال يأوى كل من هاجر إليه ووفر له الحياة الكريمة وقاسمه المال والوطن؛ كذلك فعلت وارجلان مع من هاجر إليها من الشمال والشرق والغرب، وفتحت لهم، صدرها، وأولتهم خيرها وبرها وعاملتهم معاملة المؤمن لأخيه المؤمن حين يضيق به مجال الحياة ولم تتنكر لإخوتها في يوم من الأيام. ولقد كانت وارجلان لاسيما في تلك العهود أشد برا وأكثر عطفاً وأعمق إيماناً واستشعاراً للمسئولية الدينية والأخوية ـ من أن تصد إخوانها أو تعاملهم بالغلظة التى تتركهم يفكرون في الهجرة وإنما حمل أهل سدراتة على الهجرة بل وأهل وأرجلان أنفسهم تلك العوامل الأخرى التى أشرنا إليها فى أول هذا الفصل ويدل لذلك أن الهجرة كانت تدريجية بطيئة وكانت من سدراتة ومن وارجلان أيضاً ومن أربع وغيرها ولو كانت هجرة مبنية على خلاف وعداوة وتحاسد ثم نزاع وتغلب لاقترنت بما تقترن به تلك الحركات عادة من ألوان التعاسة والمآسى، ومناظر البؤس الجماعي. ولكنها كانت هجرة فردية مبنية على أسباب معيشية، وكانت هجرة تدريجية حتى بالنسبة للأفراد فقد كان الكثير من أولئك الذين انتقلوا من سدراتة أو وارجلان إلى وادى ميزاب ـ لم يكونوا في أول الأمر ينوون الاستقرار أو الإقامة، وإنما ارتحلوا وراء أنعامهم التي سبقتهم فرحب بهم إخوتهم وطابت لهم الحياة فأقاموا. ومنهم من أحس بالجفاف فى سدراتة أو وارجلان وازدياد قسوة الطبيعة فذهبوا يرتادون الأماكن إلى وادى ميزاب أو غيرها فطاب لهم المكان الجديد فرجعوا وقرروا الارتحال إليه بأهلهم وأموالهم

٥٧٤ / ٧٩٩