الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٤٣٢

432

أو

وأهل هذه البادية من أتباعهم، قد رأوا أن للمذاهب الإسلامية الأخرى التي تخالفهم في الأصول والفروع دعاة لهم في الحركات والنشاط ما جمع عليهم أعداد كبيرة من الأتباع وأنهم بدأوا يكونون لأنفسهم دولا، ويركزون مذاهبهم على حكم وسلطان وأن البعض الآخر منها بصدد التكوين. وبدا لهم أن تلك الدول تبحث على السلطة وأنها قد تحاول السيطرة على بعض البلاد وتعمل للتحكم فيها فكتلوا أنفسهم، وتحفزوا للعمل، واستعدوا للدفاع حتى للهجوم إذا اقتضى الأمر. ونشأت بالفعل من حولهم ثلاث دول قوية لم يكن لإحداها علاقة بالمعتزلة. فقد نشأت الدولة الرستمية سنة 160 هـ. ونشأت الدولة الإدريسية سنة 172 هـ. ونشأت الدولة الأغلبية سنة 184 هـ وكان لكل دولة من هذه الدول نفوذ على بعض جهات الجزائر. ورغم أن المعتزلة فى هذه الفترة بالذات كانوا على أشد ما يكونون من الانتشار في الجزائر وعلى أشد ما يكون من الدعوة المذهبهم إلا أنهم لم يتمكنوا أن يتغلبوا على جهة أو أن يستقلوا بها فلم تنشأ لهم هنا دولة. واستمروا في صراعهم مع المذاهب الأخرى أحياناً باللسان وأحياناً بالسنان. ولما كان معتزلة هذه البادية مرتبطين مذهبياً مع الأعداد الوفيرة من المعتزلة الذين يحيطون بالدولة الرستمية والذين كانت علاقتهم تتراوح بين الجدل في المجامع والمساجد وبين القتال والحرب في ميادين النضال تبعاً لإحساس المعتزلة أنفسهم بما هم عليه من قوة وضعف. وكان لهذا الموقف المعتزلة الشمال أثره البالغ على سكان بادية بني مصعب. وذلك أن إخوتهم في المذهب من أهل الشمال لا يفتأون يحذرونهم من أن المذهب الإباضي يكاد يعم المنطقة. وأن دعاته لا يلبثون أن يدخلوا بين صفوفهم.

ونتيجة للمخاوف التى كان يصورها ويبالغ في تصويرها دعاة المعتزلة

٥٩٩ / ٧٩٩