الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٤454
الأسفار والتنقل. فإن أبعد نقطتين عن قراهم الخمس لا تزيد عن ستة أميال. فلما تأسست مدينتا القرارة وبريان أصبح السفر ضرورة من الضرورات. على أقل تقدير اصلة الرحم بين سكان المدن السبع ولاسيما في المواسم والأعياد ولما بدأوا يشتغلون بالتجارة خارج وطنهم وجدوا أنفسهم محتاجين إلى عدة أشياء لا نستقيم حياتهم الجديدة إلا بها. وتلك الأشياء هي التي تكون الظواهر الخاصة بالفترة الثالثة لهذا العهد. ويبدو لي أنها يمكن أن
تتلخص فيما يلى:
الظاهرة الأولى: لما بدأت جماعات التجار ذاهبة آنية بين المدن الكبرى في القطر الجزائرى وأراضى الشهكة لاحظ ذلك بعض المغامرين الذين يعيشون على السلب والنهب وقطع الطرق، واستنتجوا أن التجار الذين يعودون من كبريات المدن فى الجزائر إلى صحراء الجنوب بعد غياب طويل - لابد أن يكونوا محملين بكثير من المكاسب، فكانوا يتعرضون لهم في الطريق، وكثيراً ما كانوا يسابون أموال الضعاف منهم؛ فتولدت عندهم لذلك فكرة رد الفعل ومجابهة العدوان، فكان المسافرون منهم يتخذون الاحتياطات اللازمة للحراسة من امتلاك السلاح ومعرفة استعماله عند اللزوم واستصحاب الحراس الأشداء الأمناء في تلك السفرات الطويلة. وبذلك تكون لهم في هذه الفترة وما بعدها عدد الأبطال الأشداء الشجعان من الذين يخشى قطاع الطرق جانبهم، فصاروا يتحاشون قوافل بني مصعب ويبتعدون عن طريقها. وأصبح أولئك الحراس كأنما يمتهنون حرفة الحراسة؛ لهم أجور معينة عن كل رحلة من الرحلات بين مدن الصحراء والتل حتى
تتجاوز قوافل المسافرين مناطق الخطر إلى الشمال أو إلى الجنوب