الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٤٦٨

- 468 -

-

كما أنه لا يستساغ مطلقاً بناء على قصة تنقلها الإشاعات العامة أن نتهم العلماء الأجلاء الذين سبقوا أبا زكرياء والذين علموه ودربوه - بالجهل أو بالرضاء والسكوت عن هذا المنكر وهم الأشد حرصاً على أحكام الإسلام. بل إنه لا يتأتى أن تجرى أمثال هذه التغييرات في الفرائض المنصوص عليها في القرآن الكريم. ونظام العزابة قائم بشرف على تنفيذ أحكام الله، ويشرف على تصفية المواريث عقب الوفاة مباشرة.

إن قصة هذه المرأة إن صحت إنما هى قصة فردية. امرأة كانت تعتقد أنها سوف ترث النصف مال زوجها، فحال أصحاب الحقوق دون من ذلك فذهبت إلى أبي زكرياء الأفضلى العالم المتحرر ـ في نظرها ـ الذائع الصيت الذي لا يرد قوله. تستفتيه، وكانت مقتنعة أن الحق لها، فلما أجابها بغير ما كانت تتوقع وتنتظر، قالت كلمتها وهى تنصرف محنقة يعتصر ألم الحرمان قلبها. بل إن القصة لا تدل بمفهومها ومنطوقها إلا على هذا فلو كان إعطاء النصف للزوجة عملا جارياً معمولا به، معروفاً بين الناس. لأعطى لهذه المرأة نصفها، ولما احتاجت في أن تسأل أحداً. ولكن القضية هي أن أحكام الفرائض كانت تجرى في ذلك المجتمع المسلم على ما وضعه الإسلام. وكان اعتقاد هذه المرأة يخالف ذلك. وربما قيل لها إن العالم الجديد له آراء أخرى غير ما عرفه الناس فأملت أن تحصل على فائدة وذهبت إلى أبى زكرياء مستفتية وشاكية ومخاصمة. فردها العالم الكبير إلى حكم الله. ومهما كان الأمر فإن هذه القصة لا تصور إلا حالة فردية هي خطأ من الأخطاء التي يقع فيها الأفراد كل يوم. أو جهل بحكم شرعى مما يمكن الجهل فيه، أو معصية مما يرتكبه الأفراد في كل مجتمع

٦٣٥ / ٧٩٩