الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الأولى

الجزء ١ · صفحة ٦٤

- 18 -

-

ينشرون ذلك عنه، ويتحدثون به، وفى هذه النقطة يلتقى رأى الإباضية برأي للخوارج، ومن هنا زلق بعض المؤرخين، فحسبوا أن الإباضية فرقة من الخوارج، دون أن يجهدوا أنفسهم في الاطلاع على بقية الأصول والآراء. وقد سبق أن قلت في موضع من الفصول السابقة، أن توافق فرقتين على رأى معين، لا يجعلهما فرقة واحدة، ولعل قضية الخلافة هي أهم قضية يلتقى فيها الإباضية والخوارج على رأى واحد، وفيما عدا ذلك فالإباضية أبعد الناس عن الخوارج في فهمهم للإسلام، وعملهم بأحكامه.

على أنني أعتقد أن الأمة الإسلامية - بعد التجارب الطويلة المريرة، وبعد

-

أن ابتعد بها التاريخ عن المؤثرات الخاصة، التي سيرتها في اتجاه معين لا يسمعها إلا أن ترى رأى الإباضية في قضية الخلافة، وأن علماء الإسلام لا يمكن أن يرجحوا غير هذا الرأى، وإذا قدر للأمة الإسلامية أن تجتمع، وأن ترجع إلىه حكم الله، وأن تلفى هذه الشرائع التي جاء بها الاستعمار، لإبعاد هذه الأمة الإسلامية عن كتاب الله، وقدر للخلافة الإسلامية أن تتولى شؤون المسلمين كما أمر الله لو قدر ذلك؛ وكان للأمة أن تختار رئيس الدولة الذي تلقى بين يديه بمقدرات الأمة، ما وسعها إلا أن ترجع إلى قواعد هذا المذهب، لتختار الخليفة أو رئيس الدولة، حسب الشروط السابقة التى أشرنا إلى بعضها، ولما أقامت للهاشمية أو القرشية أو العروبة أى وزن، اللهم إلا فى مقام الترجيح، عندما تتساوى المواهب والكفاءات، وان تتساوى المواهب والكفاءات في أمة تشتمل على الملايين من مختلف الأفهام والعقول والأخلاق.

وإنه ليسرني حقاً أن أقتطف من الأستاذ محمد الغزالي، السطور الرائعة الآتية، لأختتم بها هذا الفصل: «ونحن نتساءل فيم هذا الجدل كله؟ وما يضرنا