الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٤٩٦

-

496 -

أن عدم ازدهار النحت والتصوير في الدولتين السابقتين إنما هو انعدام البيئة التي تتطلب النحت ويعيش فيها، وتتطلب التصوير ويعيش فيها، ثم عدم وجود الدافع في نفوس الفنانين وعدم إحساسهم به.

ربما أوضح لنا المثال السابق ما نقصده في الحديث

إن الأدب والشعر بصفة خاصة لم يجد عند الإباضية بيئة صالحة له يعيش فيها ولم يجد دافعاً في نفوس أهله وإحساساً به فلم يكن. ولعل القارئ الكريم يريد أن يعرف صوراً من البيئات التي يعيش فيها الأدب والشعر وأمثلة للدوافع والأحاسيس التي تبعث الشعر من أفواه الشعراء، فإلى القارئ الكريم ما يلى:

لم يتخذ الملوك العجم كما يقول الأستاذ الكعاك في الدولة الرستمية مجالس للسمر يطوف فيها الغلمان بالكؤوس المعتقة، وتغنى فيها الجوارى بالأصوات الساحرة، وتتناجى فيها العيون بالاغات الصامتة، وتهتز فيها الخصور والأرداف بالحركات الخليعة الماجنة، وتنطلق فيها كفا الملك إذا لعبت به الخمرة وأخذته النشوة تنشر الدراهم والدنانير دون حساب، هذه بيئة صالحة يعيش فيها الأدب والشعر - والدراهم المنتشرة والخمور المعتصرة، والخصور غير المتزرة دوافع لتحريك الشعر فى نفس كل متلهف إلى المال أو إلى الجمال أو إلى الجريال، وكل هذه الأشياء لم تكن في تلك الدولة التي ملوكها عجم وشعبها بر بر. قلم تسكن البيئة ولا الدوافع.

وبيئة أخرى صالحة للأدب والشعر لم تكن عند الإباضية البربر والملوك العجم، وذلك أن المجتمع الإياضى المتزمت لم يسمح للمرأة الإباضية أن تنطلق خارج بينها. تعترف الماء من النبع أو تجنى الثمار من الأجنة، أو تقطف

٦٦٣ / ٧٩٩