الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الرابعة

الجزء ٢ · صفحة ٥٣٦

خلا مؤقتاً بزواج ثان جعله لا يقدم على أى خطوة من تلك الخطوات لئلا يتهدم مستقبله كله. وتستطيع الآن أن نقول:

إن المغترب لا يحس بالفراغ العاطفى طالما هو موجود في مجتمع وبيئة شبيهة بالبيئة التى كان يعيش فيها. وطالما في إمكانه أن يرجع إلى بلده في مناسبات معقولة، فلا يخشى عليه من العقد، ولا يخشى منه ولا عليه برود العلاقات الأسرية.

ولا يخشى عليه من سيطرة الغريزة، لأن وقته مملوء بعمل منتج، ولأنه لا يجد فرصة للتسكع فيرى ما يثير فيه نوازع الغريزة، ولأنه يعرف سلفاً أنه لا يستطيع أن يشبع غريزته بطريقة غير مشروعة فهو لا يفكر في الانحراف بتاتاً وإنما يحصر تفكيره في الجانب المشروع، وذلك إذا دعاه داعى الفطرة الذي حدد تقريباً بالأوقات التى يسمح فيها بالرجوع إلى البلد. وأحب هنا أن يدرك القارئ الكريم ذلك الفرق الكتير بين داعي الفطرة وداعى الغريزة. فدواعي الفطرة وسيلة للقيام بوظيفة حيوية يتوقف عليها استمرار الخليقة. أما دواعى الغريزة فوسيلة للاستجابة والخضوع لسلطان شهوة غالبة أثارها إحساس أو نظر أو لمس. وقد يكون المثير مشروعاً عندما يكون مع من تربطهما علاقة شرعية، وقد يكون غير شرعى عندما يكون عند من لا تربطهما علاقة شرعية. وأمل الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي تختلط عنده مطالب الغريزة بمطالب الفطرة، وهو مطالب باعتباره عاقلا مكلفا بالتفريق بينهما ووضع كل واحدة منهما في مكانها الصحيح أما غيره من المخلوقات فتوجهها الفطرة توجيها سليما ولذلك فأنت ترى القطيع من الحيوان بذكوره وإناثه يعيش سنة كاملة معاً لا يرتكب الخطأ الذي يرتكبه

"

٧٠٣ / ٧٩٩