الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ٥٦٥-
-
ينشرونها - وسيوفهم مسلولة، ورماحهم مشرعة - فلما توقفوا عن الجهاد، وأغمدوا سيوفهم، ارتدت إليهم سهام أعدائهم ووجهت إليهم طعنات سيوفهم، وانقلبت المعركة، فبعد أن كان المسلمون - وهم في حماية الدعوة ـ مهاجمين، أصبحوا وهم في حماية أنفسهم وكراسيهم - مدافعين ثم
-
أصبحوا على تلك الكراسى متنازعين
•
وبنظرة بسيطة إلى التاريخ الإسلامي منذ ابتداء الفتوح وامتدادها إلى جميع الجهات حتى تغلب الاستعمار وشمول اختلالاته، يتضح لك أن المسلمين كانوا في انتصار متواصل وتقدم مستمر حين كانوا يحملون دعوتهم منطلقين بها وأسلحتهم موجهة إلى صدور عدوهم ـ فنشروا الإسلام في جميع أنحاء العالم، وبلغوا الحضارة إلى كل أطراف المعمورة. ونعم بالحرية والعدالة كل من عمهم ظل حكمهم، وكانت الدنيا تتسع لهم، وتنفسح أمامهم وتنفتح تحت ضربات أقدامهم باستمرار، فلما توقفوا عن الجهاد ووضعوا سيوفهم في أغمادها وعادوا بنظرهم إلى الداخل. وفكروا تفكيراً مادياً صرفاً، فأرادوا تقسيم ما يأيديهم، تولد فيهم النزاع على الكرسي، وتهارشوا على سلطة الحكم فأصبح السلاح الذي كان إلى الفتوح يقوم بتجزئة الصفوف، والجيش الذي كان يضرب العدو، منقسماً على نفسه يضرب بعضه بعضاً. فتوقف تقدمهم الحضارى، ونشرهم للإسلام، ثم اشتبكت أسلحتهم فيما بينهم ولم يزالوا يجزئون وطنهم حتى صار أجزاء صغيرة ضعيفة متحاربة لا يقوى أى منها على رد عدو. ولا يطمئن إلى مساعدة تأنى من الأجزاء الأخرى. فتقدم إليهم العدو يلتهم تلك الدويلات الضعيفة بكراسيها المتداعية قطعة بعد قطعة. ولم ينتصف القرن التاسع عشر الميلادى حتى صار أغلب العالم الإسلامي بدوله الكثيرة الصغيرة محكوماً للاستعمار إما حكما كاملا، وإما حكما قريباً من الكامل
•
يوجه