الحلقة الرابعة
الجزء ٢ · صفحة ٥٧٦الاستعمار لا يعرف الصدق ولا الوفاء ولم تخرج الحامية الفرنسية من غارداية إلى أن خرجت فرنسا من الجزائر. وقد جابه بنو مصعب هذا التصرف من الدولة الفرنسية من جهة بسلسلة من الاحتجاجات والمقاومة الدبلوماسية المبنية على احترام القوانين والمعاهدات والأعراف الدولية - لاسيما وأن فرنسا حينئذ كانت تدعى أنها حامية القانون وحارسة الحضارة - فكانت تود أن لا يذاع عنها فى الأوساط العالمية ما يناقض دعواها ويكشفها على حقيقتها. ومن جهة أخرى نظموا مقاطعة سلبية (1) ضد كل ما يتصل بالفرنسيين
ولا سيما فيما يتعلق بمساعدتها على إدارة الأعمال. وقد أرادت بناء على استيلائها على المنطقة أن توظف كل مجموعة من الإدار بين لمساعدتها فعرضت وظيف (قائد) على كل مدينة ولكن أحداً من أهل البلاد لم يتقدم لهذا الوظيف. ووقف المسلمون المجاورون ـ احتراماً لإخوانهم - نفس الموقف فلم يتقدم منهم أحد لشغل ذلك الوظيف المغرى مع حرص الحامية على شغله بعنصر وطنى يكون بمثابة فتح ثغرة في الصفوف وإحداث صدع فيها. فلما لم يتقدم أحد من المسلمين تقدم له يهودى من الأغواط وجاء فاستلم حمله فى مركز غارداية ـ وبدأ عمله بنوع من التوقح والغلظة والكبرياء. وبينما كان يسير ذات يوم بين القرى ـ فى انتفاخ وزهو ـ امتدت إليه يد فاغتالته. وقامت قيامة الدولة الفرنسية وارتكبت من وسائل التعذيب
والتنكيل ما ترتكبه الدول الاستعمارية عادة في مثل هذه المواقف
•
(1) قال الأخ الأستاذ إبراهيم قرادى فى رسالته إلى ما لي: «وما كاد الاحتلال المسكرى يتم حتى نظم الميزابيون المقاطعة السلبية ضد كل ما يتصل بالفرنسيين سيما الوظيف الذي يمنحون بموجبه اليد المطلقة فى كل بلدة وهو وظيف القيادة وقد رفض الميزابيون هذه المسئولية مع مافيها من نفوذ ولم يقبلوه حتى عينرا يهوديا يسمى (فتح بشاعة) حاكما بأمره ولكن الفدائيين أعدموه فى وادى مليكة أى خارج القرى. وعبثا حاول الفرنسيون العثور على قاتله. فطالبوا الميزابيون بدفع ديته».