عمرو النامي مسيرة عطاء في درب الخير
الجزء ١ · صفحة ١٨٢عمرو النامي مَسِيرَةُ عَطَاء .. فِي وَرْبِ الخير
ولأنَّ ما قَصَدْتُ إليه هو مساهمة وارجلان وما حولها في الفكر الإسلامي؛ كجزء امتد واتَّصَلَ بعد غياب الدولة الرستمية من الوجود السياسي في شمال إفريقيا، فكان الدور الذي لعبته وارجلان هو تجسيم وتعبير عن عمق التأثير الفكري والحضاري للدولة الرستمية؛ التي استمرَّت آثارها العلمية والفكرية قرونًا متصلة، بعد غيابها من الوُجُود السياسي تمامًا، فَبَعَثَتْ وارجلان ذلك الدور في صورة جديدة، وأعطته دفعةً قوية حفظت له نصاعته
وحيويته.
ومن وارجلان وحركتها انْبَثَقَ العمران والحركة العلمية في ديار بني مصعب، فنشأت قصورُ مِزَاب، واستمرَّت بدورها في الحفاظ على ذلك الأثر الحضاري العلمي الذي بدأته دولةُ بني رُسْتُم من قبل، وحافظت عليه ولفترة طويلة عاصمة الصحراء وجوهرتها «وارجلان».
?
لقد بدأ المذهب الإباضي كغيره من المذاهب الإسلامية على هيئة حركة علمية تربوية تأسست في البصرة جنوب العراق، فكان عَلَمَها البارز التابعي الشهير أبو الشعثاء جابر بن زيد (متوفى سنة 93 هـ)، ثُمَّ مِنْ بعده مُسْلِمُ بن أبي كريمة أبو عبيدة الذي توفي على أيام الخليفة العباسي أبي جعفر
المنصور.
وعلى أيام أبي عبيدة اتسعت هذه الحركة العلمية في صورة دقيقة التنظيم على هيئة «مَجَالس» علميّة تنعقد حول علماء معروفين، يقصدها أصناف شتى من الناس بين طلبة متخصصين، إلى آخرين يطلبون الموعظة والهداية، إلى علماء مُميَّزين يتدارسون شؤون الأمة، ويناقشون مسائل العلم وأمور الأمة عموما، وقد كان عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية خريج هذه المجالس التي أسسها الإباضية في مراكز العمران بين القيروان والبصرة، ومن تلاميذ أبي عبيدة مسلم المباشرين.
ونقل التلاميذُ نظامَ المَجَالس العلمية إلى المغرب، وانتظمت حلقاتها ما بين فَزَّان وقابس وبين الجبل وتاهَرْت، و بعد ازدهار تاهرت واستتباب الأمر فيها كان دورها العلمي من أبرز المظاهر الحضارية التي حرصت عليها وعلى رسالتها، وكان طلبة العلم يقصدون تاهرت من كل حدب وصوب لأخذ
182