عمرو النامي مسيرة عطاء في درب الخير
الجزء ١ · صفحة ١٨٣العلم أو لعرض العلم، فكانت تصل المشرق بالمغرب والشمال بالجنوب. وتَذْكُرُ الروايات التاريخية أنَّ عبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم قد أَرْسَلَ أَلْفَ دينار إلى إخوانه بالبصرة أن يشتروا له الكتب، فأوفدوا له أربعين جَمَلاً كُتبًا. وكذلك فإنّ أبا غانم بشر بن أبي غانم حَضَرَ من البصرة إلى تاهرت ومعه مدونته المشهورة، فعَرَضها على الإمام عبدالوهاب ورَوَاها الإمامُ
عنه.
وكانت عاصمة الدولة الرستمية «تاهرت» مركز حركة علمية مزدهرة يتولى الأئمة بأنفسهم الإشراف المباشر عليها والمساهمة فيها، وتَذْكُرُ الكثيرُ من الروايات وفود المشايخ إليها وتلقيهم العلم على الأئمة بتاهرت. وكذلك فقد كانت للأئمة الرستميين مُسَاهَمَاتٌ في التأليف، وتَذْكُرُ
المصادر كتاب التفسير لعبد الرحمن بن رستم، وكان موجودًا حتى أواخر القرن الرابع للهجرة. وكَتَبَ الإمامُ عبدالوهاب أجوبةً فقهية لا تزال موجودة، وكذلك الإمام أفلح بن عبدالوهاب، وكان أكثر كتابتهم في الفروع، واشتهر الإمام أبو اليقظان بمساهمة في البحوث الكلامية، فكتَبَ في الاستطاعة وَحْدَها أربعين رسالة، حسب ما يَذْكُرُهُ رُواةُ السِّير.
ولا أُرِيدُ أَنْ أُطِيل الحديث في هذا، وأرجو أَنْ أَكُونَ قد كُفِيتُ أَمْرَه مِمَّنْ تعرض للحديث عنه في هذا الملتقى، ولكن ما ما قَصَدْتُهُ دته هنا هو دَوْرُ وارجلان ونواحيها في مُواصَلَة هذه الحركة العلمية بعد سُقُوط العاصمة الرُّسْتُميَّة، فهي الراية بعد تاهرت وذَهَاب مَجَّدهَا.
في الواقع التي
حَمَلَت
وكان في ازدهار وارجلان كَمَرْكَز تجاري هام وكمحطّة رئيسية لحركة القوافل التي تنطلق منها إلى الجنوب وإلى الشرق والغرب والشمال، وكذلك لما تتمتع به من الأمن النسبي الذي تفرضه أهميتها التجارية وانعزال موقعها، مع قوة أهلها واتساع العمران حولَهَا، كلُّ هذا جعلها مكانًا مثاليا للقيام
بدور البديل المباشر لتاهرت. قال صاحب غُصْن البان في تاريخ وارجلان: «ووجدتُ في ورقات قديمة
183