عمرو النامي مسيرة عطاء في درب الخير
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦عمرو النامي مَسِيرَةُ عَطَاءِ .. في وَرْبِ الخير
المؤرخ الإباضي مقياسه للصراع بين أبناء الأمة على مثالها الفريد النادر. فجيوش الإباضية في إنكارهم على دول الجور سواء بقيادة أبي الخطاب
ومَنْ جاء بعده ومَنْ سبقه وأبي منصور ومن تبعه كانوا يلتزمون التزاما دقيقًا بسيرة الصحابة، اتصلت عليه سيرتهم فورثها الخلفُ. السلف، والتزمت
بها أجيالُهُم فلا يُفَرِّطُون فيها ولا يقصرون عنها
عن
فقد كانت سيرتهم - رحمهم الله - في حروبهم لأهل القبلة ألا يتبعوا مُدْبِرًا ولا يُجْهِزُوا على جريح ولا يأخذوا سلبًا ولا سَبْيًا، نزهوا أيديهم عن كل ذلك في التزام صارم، وإنما كانَ هَمُّهُمْ إبطال الجور وإقامة الحق، وليس جمع الغنائم والأسلاب أو الاتساع في الملك والدولة، وهو مسلك مثالي قَصُرَتْ عنه الهِمَمُ بَعْدَهُم، ومضى مَثَلاً شَرُودًا في التاريخ لا يتكرر بيسر، وقد جاء إجماع من المؤرخين في نقل تلك الصورة الناصعة العظيمة
أبو الخطاب في حربه لورفجومة قد غادر قتلى الأعداء في المعركة لَمْ هم سوء غير السيف!!! حتى قال فيهم مَنْ راهم: «كَأَنَّهُم رُقُودٌ»!! لَمْ يُصِبْهُمْ سَلْبٌ أو نَهْبٌ، ولَمْ يُصب زُرُوعَ القوم وأجنّتهم وأشجارهم ودُورَهم شيءٌ مِنْ مَعَرَّة الجيش، وكان ذلك شأنه في كل حروبه، فهو جيش ربتهُ التقوى ووَقَذَ أهلَهُ الوَرَعُ.
!!
وأما أبو منصور إلياس فقد قاد حَمْلَةً تأديبية صدَّ فيها جموع ابن طولون التي جاءت إلى طرابلس تعيتُ فيها فسادًا، فَرَدَّ ذلك الجيشَ الغازي، وبقي في ميدان المعركة بعد هزيمة ابن طولون ثمانمئة حِمْلٍ ذَهَبًا لَمْ يَمَسَّهَا أَحدٌ من جند أبي منصور فهذا جيش ما جاء في طلب الدنيا ولو كانت ذهبًا أصفرَ رَنَّانًا مُبَاحًا، ولكنه جاء ينتصر الله رجاءً ما عنده، وبعد ذلك يستوي الذَّهَبُ والتراب، وهذا أيضًا جيش رَبَّتْهُ التقوى ووَقَدَهُ الورع وهي طلائعُ مُصَفَّاةٌ مُصْطَفَاة لا يَقُومُ بها التاريخ دائما. ولعل الذي انتقد سيرة أبي يزيد من مؤرّخي الإباضية يُريد أَنْ يُكَلِّفَهُ ما
206