البلاغة
الجزء ١ · صفحة ١٤١انظر إلى الأمثلة المتقدمة ففي المثال (1) وهو قوله تعالى (قل انفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوماً فاسقين) مقتضى الظاهر ألا يؤكد الخبر ولكن نجد أن الخبر مؤكد بأن انكم كنتم قوماً فاسقين)، فما سر خروج الخبر عن مقتضى الظاهر في هذا المثال؟
السبب في ذلك أننا نجد في مطلع الآية جملاً تتضمن ما يشير ألى الخبر ويومئ إليه، فتثير في النفس تساؤلا يجعلها تتطلع وتستشرف إلى معرفة الخبر للوقوف عليه، فلماذا لا يتقبل إنفاقهم، الإجابة (إنكم كنتم قوماً (فاسقين). فغير المتردد هنا نزل منزلة المتردن
انظر إلى الآية الكريمة في المثال الثاني: إذا يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فقد أثار هذا النهي في نفس أبي بكر وهو مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الغار والكفار يوشكون أن يصلوا إليهما، أثار في نفسه التطلع إلى معرفة الخبر والتساؤل لماذا لا يحزن؟ ولذلك نزل منزلة المتردد وهو ليس بالمتردد فجاءه الخبر مؤكدا (إنّ الله معنا).
أما في المثال الثالث: فإن الحال يختلف فقد نزل المنكر منزلة غير المنكر، فهشام بن عبدالملك انكر معرفته لعلي زين العابدين ابن الحسين، فكان على الفرزدق أن يلقي إليه الخبر مؤكدا بأكثر من مؤكد، ولكن الفرزدق عدل عن الظاهر وألقى إليه الخبر بدون تأكيد، وذلك ليشير إلى أن علياً زين العابدين معروف لا تخفى مكانته على أحد، وأن إنكار هشام لا قيمة له فلذلك لم يعتبر وألقى إليه الخبر بدون تأكيد وفي المثال الرابع: نجد أن الخطاب في الآية الكريمة للكفار وهم ينكرون
137