فقه النظم (منهج معهد القضاء الشرعي، السنة الثانية) محمد نعيم يس

فقه النظم

الجزء ١ · صفحة ١١٣

ويجب نقضه. وأما النظم القضائية الوضعية فإنها تقوم على تطبيق أحكام وقوانين البشر، وشتان بين قانون أنزله الخالق العليم الحكيم وبين قانون وضعه المخلوق

،

ويترتب على هذه الميزة أن القاضي إذا أخطأ في حكمه أو تعمد الظلم فيه فإن علم ذلك وقامت الحجج عليه وجب نقض الحكم، وإن تعذر إبطال ذلك الحكم بسبب خفاء الدلائل، فإنه لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً عند الله تعالى ويحرم على كل من علم ذلك الجور أن يستفيد منه سواء أكان محكوماً له أم كان شاهداً. فإذا حكم القاضي لشخص بشيء بناء على شهادة زور مثلاً وهو يعلم أنه لا حق له فيه، حرم عليه أن ينتفع به بأي وجه من وجوه الانتفاع، وقد دل على هذا قضاء الرسول وستته صلى الله عليه وسلم فيما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: جاء رجلان يختصمان في مواريث بينهما قد درست، ليس بينهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاطاً في عنقه يوم القيامة)، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إذا فقوما فاذهبا فلتقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه).)

(1)

ولذلك فإنه يستحب للقاضي في نظام القضاء الإسلامي أن يذكر الخصوم بهذه الحقيقة قبل أن يصدر حكمه، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع

الخصمين في الحديث السابق (1) رواه مالك والبخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد البيهقي وغيرهم. ومعنى ألحن بحجته أبلغ وأفصح، والإسطاط هو المسعار الذي تحرك به النار، ومعنى أستهما اقترعا.

-

113