فقه النظم (منهج معهد القضاء الشرعي، السنة الثانية) محمد نعيم يس

فقه النظم

الجزء ١ · صفحة ١٩٤

ومن جهة أخرى فإن تلك الجرائم التي قدر الشرع عقوباتها جرائم ثابتة، ولا

تتغير إلا من حيث أساليبها ووسائلها، فكان من الحكمة مواجهتها بعقوبات ثابتة ومقدرة، ولا تخضع لسلطان أحد في التخفيف فيها أو العفو عنها. وأما بقية الجرائم فلم يشرع لها الإسلام عقوبات محددة، وإنما ترك أمر تقدير عقوباتها للحاكم المسلم يفعل ذلك وفق المصلحة والمبادئ والقواعد الإسلامية العامة.

وهذا المسلك الذي سلكته الشريعة في مواجهة الجرائم فيه مصلحة للعباد بلا ريب، حيث فيه تخليصهم من أخطر الجرائم، كما أن فيه ما يتيح الفرصة المواجهة ما يستحدثه المنحرفون من فنون الإجرام في كل عصر بعقوبات

مناسبة وناجعة.

ولو أن تلك الجرائم الخطيرة تركت لتقدير الناس واجتهاداتهم لما استطاعوا معالجتها ولا تخليص الناس من شرورها، ولأدى ذلك إلى الاختلاف في أمرها، مما يؤدي إلى عدم الحسم فيها والعجز عن مقاومتها، وهذا ما وقعت فيه كثير من بلاد المسلمين بعد أن تعطلت فيها حدود الله تعالى، واستبعدت العقوبات الشرعية، فكثرت فيها الجرائم، وتفنن المجرمون في أساليب الإجرام، وعجزت وسائل الأمن عن تخفيف هذه الحال، وتخليص الناس من هذا الوبال.

وفي المقابل لو أن الشرع اقتصر على مجموعة من الجرائم وحدد عقوباتها، ونفى العقاب عما سواها، لاستحدث المجرمون أنواعاً جديدة من الجرائم، وأساليب مبتكرة في الانحراف، ولا تقع تحت طائلة العقاب المنصوص عليه، فكانت الطريقة التي اتبعها الشرع الإسلامي في مواجهة الإجرام والانحراف أحكم طريقة وأجلبها للمصلحة وأدفعها للمفسدة

194

-