فقه النظم
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤والرد على هذه الشبهة أن أساسها باطل؛ لأنها تقوم على قياس واضح
البطلان لأن هذه الدعوى إنما تصدق على القوانين التي يضعها البشر من عند أنفسهم، ولكنها لا تصدق على الشريعة التي نزلها خالق البشر، ولا يصح عند العقلاء قياس ما صنعه العباد على ما أنزله رب العباد أو صنعه. فهل يستطيع الإنسان أن يتطاول إلى بعض ما خلق الله تعالى من السموات والأرض وما فيهن؟ وهل كان لمرور الزمان أي تأثير على إتقان الصنعة الربانية؟ إن الشريعة الإسلامية بجميع أنظمتها لم تنشأ نشأة القوانين، فلم تكن ضئيلة ثم تطورت ولا ناقصة ثم أكملت، ولكنها نزلت من عند الله كاملة متكاملة شاملة جامعة لكل خير ومصلحة مانعة لكل شر ومفسدة، مصداقاً لقول الله تعالى اليَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دينا). (1)
فجاءت لجميع الناس في كل العصور من لدن حكيم خبير عليم بما كان وما سيكون؛ وليس أدل على هذه الحقيقة من أن الإنسانية لا تكاد تهتدي إلى مبدأ عادل أو حكم صائب إلا وشريعة الباري كانت سابقة إليه، ولا تكاد تكتشف الخطأ والظلم في أمر إلا كان الإسلام قد تنزل بنبذه والنهي عنه.
وإذا كانت القوانين الوضعية من صنع البشر فإنه لا غرابة أن تتجسد فيها مظاهر النقص والعجز والضعف التي هي من خصائص البشر، وأن
جميع
تحتاج بالتالي إلى تطويرها وتبديلها، وإذا كانت الشريعة الإسلامية من تنزيل رب العالمين فلا غرابة أن تتجلى فيها أثار الصفات الربانية من سمو وكمال وعدل وشمول وصلاحية التطبيق في كل زمان ومكان. والله سبحانه وتعالى قد ضمن هذه الشريعة أنظمة لحياة العباد تجلب لهم كل مصلحة وتدرأ عنهم كل
(1) المائدة الآية 3.
- YAY_