فقه النظم (منهج معهد القضاء الشرعي، السنة الثانية) محمد نعيم يس

فقه النظم

الجزء ١ · صفحة ٢٨٨

والجواب عن هذه الشبهة أن الإسلام رفع شعار الحرية الدينية من أول الأمر؛

(1)

بقوله تبارك وتعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيُّ، وقوله أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، (2) وقد التزم بهذا الشعار رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ومن جاء بعدهم من حكام المسلمين الملتزمين، حتى أننا لم نسمع أن أحداً من المسلمين أكره ذميا واحداً على ترك دينه واعتناق الإسلام، مع أنهم كانوا قادرين على ذلك. فالحرية الدينية حق اعترف به الإسلام للإنسان ابتداء. وهو لا يعاقب على استعمال حق اعترف به إلا إذا أسيء استعمال هذا الحق باتخاذه ذريعة للاعتداء على مصالح الآخرين، والذي يرتد عن الإسلام بعد أن يعتنقه مختاراً وبعد أن يتعهد بالتزام أحكامه، يكون بصنيعه هذا معتدياً على حقوق الجماعة المسلمة وعقيدتها ونظامها العام، لما في ذلك من تضليل الناس وفتنتهم عن دينهم والاستهزاء بعقيدتهم. كما أنه بردته يعلن امتناعه عن التزام أحكام الإسلام كلها من صلاة وصوم وزكاة والمشاركة في الجهاد والدفاع عن الأمة وغير ذلك من أركان الدين وواجباته، وليست جنايته هذه بأقل ضرراً أو خطورة مما يُسمى في القوانين الوضعية بالخيانة العظمى التي لا تقل عقوبتها عن الإعدام.

ولو تركت هذه الجريمة من غير عقاب لكان معنى ذلك العفو عن اللهو والعبث والتضليل والاستهزاء بالدين، ولفتح باب للنيل من الإسلام أمام الحاقدين الماكرين الذين سوف يدخلونه لأغراض دنيئة، ثم يخرجون منه ليجروا وراءهم جهلة الناس وضعفاء الإيمان وقد نبه الله عباده المؤمنين ليأخذوا حذرهم من أمثال هؤلاء، فقال سبحانه (وَقَالَت طَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ امِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا اخرهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

(1) البقرة الآية 256.

(2) يونس الآية 99

(3) آل عمران الآية 72.

(2)

- YAV-