أحكام جراحة التجميل في الفقه الإسلامي أحمد بن حمد بن راشد الذهلي

أحكام جراحة التجميل

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

أحكام جراحة التجميل | في الفقه الإسلامي

لها، ومن غريب ما وقع للناس في هذا العصر أن النساء أصبحن كثيرا ما يلهثن وراء ما عليه الآخرون، حتى في ما يخالف الجمال الطبيعي للمرأة، إذ الجمال الطبيعي - مثلا - في شعر المرأة أن يكون شعرا فاحما، ولذا نجد الشعراء كثيرا ما تغزلوا في الشعر الأسود وعبروا عن سواد الشعر بالليل، وعن جمال المرأة ما بين هذا السواد بأنه كالقمر في وسط ليل داجن، ونجد من الشعراء من يقول - أيضا. في التعبير عن حسن سواد الشعر:

وما خضب الناس البياض لأنه قبيح ولكن أحسن الشعر فلحمه

وأما الآن فنجد المرأة التي شعرها اسود تحاول أن تشقره، فتخرج بذلك عن الطبيعة، وهذا دليل التأثر والانهزام أمام الآخرين، فمثل هذه الأشياء جميعا يجب على المرأة أن تتفطن لها، على أن تقليد القوم الكافرين أيا كانوا يهودا أو نصارى أو ملاحدة إنما هو ناشئ عن ضعف القلوب واهتزاز العقيدة وعن أمراض نفسية، ولذلك جاء التحذير البالغ من موالاتهم، لأن هذه التبعية العمياء ما هي إلا من دلائل هذه الموالاة، لأن الإنسان من شأنه أن يحب تقليد من يعظمه في نفسه ويجله في قلبه ويكبر أفعاله، هذه طبيعة البشر، ومن هنا حذر الله - تبارك وتعالى - من موالاة أولئك، بل حذر في معرض هذا التحذير من الوقوع في الارتداد، لأن هذه الموالاة تجر صاحبها شيئا فشيئا إلى أن يتقصى من الإسلام كله ويقع في الارتداد، فالله تبارك وتعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بغضهم أولياء بغض ومن يتولهم منكُمْ فَإنّه منهم إن الله لا يهدي الْقَوْم الظالمين) (المائدة: 51)، ثم أتبع ذلك قوله: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فصى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين اقسموا بالله جهد أيمانهم إنّهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) (المائدة: 52 و 53)، وهذا دليل على أن الموالاة ناشئة عن مرض نفساني، ثم حذر بعد ذلك من الارتداد عندما قال: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزَّكاة وهم راكعون) (المائدة: 54)، فهذه التبعية التي تقع إنما هي تجسيد لهذه الموالاة المحرمة، وهي التي لا تقف بصاحبها عند حد عندما يسترسل فيها حتى يقع في المحذور الأكبر وهو التقصي من الإسلام نهائيا والوقوع في الارتداد - والعياذ بالله -. س: ما حكم قص شعر الزوجة لزوجها تزينا له؟

ج: نحن نأسف لتغير فطر الناس نتيجة التأثر بالآخرين، فقد كان من جملة المقاييس التي يقاس بها جمال المرأة طول شعرها أما الآن فقد أصبح الأمر بخلاف ذلك، فاصبح هذا الجمال يقضى عليه، فتحب المرأة بقدر مستطاعها أن تتخلص من طول الشعر وأن تقصره، وفي هذا التقصير أمران اثنان أولهما التشبه بالرجال والتشبه بالرجال ممنوع، والأمر الثاني: تقليد الآخرين، وتقليد الآخرين ممنوع، فإن الله تبارك وتعالى جعل للمسلم شخصيته المتميزة في معتقداته وسلوكه وفي أعماله وأخلاقه وفي كل تصرفاته، فلذلك يجب أن لا يكون متأثرا بالآخرين، بل يجب على المسلم أن يكون مؤثرا لا متأثرا وقائدا لا مقادا، وأن يكون هو القوي لا الضعيف، ومن عادة الإنسان أن ينساق وراء التيارات الأخرى عندما يشعر بضعف، ومن عادة الضعيف أن يريد محاكاة القوي، وعندما كان المسلمون أقوياء كان الآخرون يقلدونهم، أما الآن قد انقلبت القضية على عكس ذلك، وأنا أريد هنا أن أضع بين أيديكم كلمات قالها أحد المسلمين، وهذه الكلمات قلتها أكثر من مرة وفي أكثر من محاضرة وفي أكثر من درس لأنها جديرة بأن تكتب بماء الذهب، وأن تكون نبراسا للمسلم يستنير به ومنهجا له يسير عليه، هذه الكلمات قالها الشاعر الإسلامي الباكستاني محمد إقبال يقول: (إن المسلم لم يخلق ليندفع وراء التيار ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية ويفرض على البشرية اتجاهه ويملي عليها إرادته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم اليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه فليس مقامه مقام التقليد والاتباع وإنما مقامه مقام الإمامة والقيادة مقام الإرشاد والتوجيه، مقام الآمر الناهي، وإذا تنكر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاصرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء والقدر من شان الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فإنه نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد)، فياليت المسلمين وعوا ذلك وأدركوا مسئوليتهم ورسالتهم، والنبي كان شديد الحساسية تجاه تقليد الآخرين، فقد كان كثيرا ما يطل الأحكام التي يأمر بها بمخالفة غير المسلمين، فكثيرا ما يقول: "خالفوا اليهود والنصارى"، " خالفوا اليهود"، "خالفوا المجوس"، " خالفوا المشركين"، أما الآن فقد أصبح تقليد هؤلاء هو رمز التقدم وعنوان الرقي ومظهر المدنية، وذلك كله من جراء الأمراض النفسية التي أصابت هذه الأمة، مصداقا لقول الله تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فصى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما استوا في أنفسهم نادمين) (المائدة: 52)، وعلى كل فقص شعر المرأة كما قلنا هو مناف للفطرة ومخالف للمظهر الجمالي الذي أكرم الله سبحانه وتعالى به المرأة وفيه تقليد للآخرين، اللهم إلا أن يكون هذا القص بمقدار ما تأخذ منه عندما تتحلل

من إحرامها من غير أن تزيد على ذلك. والله تعالى أعلم.

س: هل يجوز للمرأة أن تأخذ شيئا من شعر رأسها، بحث يصل شعر الرأس بعد القص إلى فوق الأكتاف أو أسفل

من ذلك بقليل، وهل يصح لزوجها أن يطلب منها ذلك بحجة التزين له؟ ج: لا تقص المرأة شعرها لغير ضرورة إلا من أطرافه. والله أعلم.

س: هل يجوز للفتاة أن تقص شعرها من الأمام "القصة" ليس بغرض وضعها عند الخروج ولكن في البيت؟ ج: في هذا تشبه بغير المسلمات وكفى به حجرا. والله أعلم.

(165)