استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية: دراسة تأصيلية أحمد بن سالم بن موسى الخروصي

استقلال السنة بالتشريع

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية

دراسة تأصيلية

وإذا كانت الآية نفسها دالة على تحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير فلا محل للتخصيص هنا، إذ إن التخصيص استثناء من العموم

كما عرفه مؤلفو الكتاب -

ولذا فلا مسوغ لتوجيه الآية على هذا المحمل.

وهذا التأويل الذي ذكره المؤلفون في توجيه الآية إلى ما خبث مطعمه ذكره أيضا عدنان الرفاعي، فقد قال في معرض ذكر وتأييد ما يراه من احتواء القرآن لجميع مضامين السنة: "وحينما تنظر نظرة تدير في هذه الآية الكريمة: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما .. الخ) فسنرى أن الميتة محرمة، وأن الدم المسفوح محرم .. وبالتالي فإن كل ما يتغذى على الميتة والدم المسفوح لحمه محرم، لأنه ينبت من المحرم .. وبالتالي فكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير لحمه محرم لأنه يتغذى على الميتة والدم المسفوح المحرمين في كتاب الله تعالى". وهذا التوجيه شأنه شأن سابقه، فهو غريب بعيد كل البعد عن دلالات الآية الكريمة، إذ لا منطوق ولا مفهوم يدعم ما استدل به، فمنطوق الآية نص محكم في تحريم أجناس معينة من المطعومات وعموم حلية ما عداها.

ومن الجدير بالذكر أن مؤلفي الكتاب المتقدم السنة: الوحي (والحكمة ذكروا في معرض الحديث عن أنواع التخصيص بالأحاديث نوعين: "نوع يبين ويكشف عن الحكم القرآني أو أحد مضامينه، ونوع يؤدي إلى إخراج حكم نص قرآني إلى حكم آخر مختلف .. وهذا النوع يحتاج بسبب عمق أثره وخطورته أن يكون الإخراج بنص قطعي في دلالته وثبوته، وكيف يكون التخصيص استثناء كما عرفه مؤلفو الكتاب وقد ذكرناه سلفا - وهو يبين أو يكشف الحكم القرآني دون أن يخرجه من عمومه، كما هو ظاهر هذا التقسيم.

كما أن تقييد النوع الثاني بأن يكون مخصصه قطعي الثبوت والدلالة هو بخلاف ما ذهب إليه عموم الإباضية كما ذكرنا ذلك، فهم يرون جواز تخصيص السنة الآحاية للقرآن الكريم، وما ذهب إليه بعض أصحابنا من عدم حرمة أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ليس منشوه القول بأن خبر الآحاد لا يخصص عموم القرآن، بل مرد الأمر إلى سببين: الأول: حمل النهي الوارد في الحديث على الأدب لا على التحريم. الثاني: عدم ثبوت الحديث الناص على التحريم من طريق صحيح عند البعض.

جاء في جامع ابن جعفر: اتفق أصحابنا أبو عبيدة بن أبي كريمة والحكم بن أنس على إجازة طهارة سؤر الكلب وطهارة فضل مائه، وكذلك سائر السباع وأكل لحومها، وضعفا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير طعنا في بعض رجاله.

-

كما يقول العلامة ابن أبي نبهان في بيان وجه الاختلاف في المسألة: "ومما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإجماع أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وأخبرني والدي العالم الرباني أبو نبهان رحمه الله تعالى أن صحة هذه الرواية بالإجماع الذي لا يجوز فيها الاختلاف، ومع قومنا أن نص لفظ الرواية قال: كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام أكله، ومعهم لا يجوز الاختلاف في تحريمها فلا يحل تحليلها، ومع أصحابنا لم تقم الحجة عليهم بصحة التحريم، وإنما قامت عليهم الحجة بصحة النهي عن أكل ذلك، وأجازوا الاختلاف فيها في تحليلها وتحريمها، برواية صحت كذلك أن بعض الصحابة أكلوا لحم ضبع وحكموا على من قتله أو صاده في الحرم أو محرم بكبش أملح فجعلوه من الصيد، ولا يصح أن يجعل شيء من الصيد إلا ما هو حلال، فعمل بعض علماء أصحابنا بظاهر النهي وحرم ذلك

112