استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية: دراسة تأصيلية أحمد بن سالم بن موسى الخروصي

استقلال السنة بالتشريع

الجزء ١ · صفحة ١٥٧

استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية

دراسة تأصيلية

المجتمع عليها فلا يمكن أن تعد من السنة النبوية، ولا يجوز أن تستقل رواية ما بتأسيس حكم شرعي ملزم للأمة دون الاستناد إلى دلالات تشريعية من الكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها".

وهذا النص يحمل في طياته الكثير من الدلائل التي لا بد من الوقوف عليها، فكون مفهوم السنة لا يندرج إلا فيما اتفقت عليه الأمة أمر يحمل كثيرا من الإشكالات، وقد بيناها في معرض الحديث عن مفهوم السنة.

والقول بأن السنة إنما تعني فهم النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم يعرضها للتناقض واللبس في الكثير في جزئياتها، إذ ليس لدينا ما يمكن أن نجزم به أن هذه السنة قد فهمها النبي صلى الله عليه وسلم من آية معينة من كتاب الله تعالى، واختلاف الأفهام طبيعة بشرية طبع الله الخلق عليها، فقد يفهم ذلك طرف دون طرف، مما يؤدي إلى أن ثبوت سنة من السنن موكول إلى الأفهام، وهذا يعني إلغاء جانب كبير من مصادر التشريع الإسلامي، ومن المعلوم أن كثيرا من آيات القرآن الكريم ظنية الدلالة، وهذا يعني عدم القطعية في فهم مدلولاتها، ولذا نجد المفسرين وأهل العلم كثيرا ما يختلفون في فهم الحكم الشرعي المستنبط من دلالات آيات القرآن الكريم. يقول الإمام السالمي:

وريما تفاوت الأفهام

فينشأ الخلاف بينهم كما

فيه فيكثرن به الزحام

تراه في الخلاف بين العلما"

أما عن روايات الآحاد فإن الأحكام التي تؤسسها إنما تؤسسها على وفق دلالات الآيات الآمرة باتباع وتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا فإن دلائل آيات الكتاب العزيز تدل على وجه التشريع الذي تستقل به روايات الآحاد، ومن هذا الباب تعد السنة المستقلة من أوجه بيان السنة للقرآن الكريم. وقد نص الإباضية على حجية خبر الواحد ووجوب العمل به، من ذلك ما تناقلته جملة من كتب المذهب حول خبر تحويل القبلة لأهل قباء، ثم يليلون الحديث بقولهم: "وفي هذا الخبر دليل على وجوب العمل بخبر الواحد"، كما يدلل ابن بركة على ذلك بقوله: "فإن قال: ما الدليل على أن الله تعبد بقبول عدل واحد دون أن يكون معه ثان والله تعالى أمر بقبول شهادة العدلين؟ قيل له: إن الله وله الحمد، قد تعبدنا بأشياء مختلفة فأما الأموال فإنه أمر أن لا يقبل فيها إلا قول عدلين، وفي عمل الأبدان أمر أن يقبل فيها خبر عدل بقوله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ينيا فتبينوا أن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات 6، فلما أمر بالتبين عند خبر الفاسق علمنا أنه قد أمرنا بقبول خبر غير الفاسق"، كما يقول العوتبي بعدما ساق جملة من الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد: " وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه، وقد كانوا على قبلةٍ فُرِضَ عليهم استقبالها، فانتقلوا عنها بخبر واحد، إذ كان عندهم من أهل الصدق، عن فرض كان إلى ما أخبرهم به عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحويل القبلة، ولم يكونوا ليفعلوا ذلك إلا عن علم وحجة ثبتت لهم. ولو كان ما فعلوه غير جائز لأنكر ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لم ينكر ذلك، وثبت ما فعلوه، كان حجة ودليلا على قبول خبر الواحد" ثم ساق ما كان من شأن بعض الصحابة عندما وصلهم خبر تحريم الخمر: " فقد قبلوا خبر الواحد وحرموا ما كان حلالا، وأتلفوا ما أتلفوا بخبره. ولولا أن ذلك مما يجوز وتثبت بمثله الحجة لما فعلوا ذلك ولا قبلوه"، ويضيف العوتبي أن القرآن الكريم نفسه ناطق بقبول خبر الواحد، ويسوق على إثر ذلك الآيات التي بينت قصص المرسلين وبعثهم إلى قومهم ليرشدوهم إلى جادة الحق.

139