استقلال السنة بالتشريع
الجزء ١ · صفحة ١٦٨استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية
دراسة تأصيلية
وقد تتبع الدكتور أحمد الكندي في دراسته منهج الإباضية في عرض السنة على القرآن، واعتبر ذلك أحد مناهج نقد الحديث عند الإباضية، بداية من الإمام جابر بن زيد وصولا إلى المتأخرين من أعلام المذهب، وخلص إلى أن هذا المنهج كان حاضرا عندهم "إذ جعلوا القرآن ميزانا للنقد، مقياسا للقبول والرد، فكل ما وافق القرآن من
الحديث كان صحيحا مقبولا، وكل ما خالفه كان ضعيفا وباطلا مردودا (439). ثم يقول إثر ذلك: "ولا يتعارض هذا مع توجيه الروايات ضمن ما يعنى بدرء التعارض سواء بالنسخ أو الجمع أو الترجيح، فهذا الفن حاضر في تعامل الإباضية مع النصوص، ولكن تنصب القاعدة فيما لم يمكن توجيهه ضمن ذلك، وظهر تعارضه جليا ولا يمكن جمعه وتأويله " (440)
(441)
كما يؤكد العلامة البطاشي على أهمية معرفة علم الخصوص والعموم، فبه يدرأ ما أوهم التناقض والتعارض من كتاب الله تعالى يقول: "ولا يصح الجمع بين ما أوهم التناقض والاختلاف في أحكام الله إلا بهذا العلم الجليل، وأكثر ضلالات المخالفين إنما حصلت لجهلهم بما يكون من هذا القبيل" ومن هنا يظهر أن النصوص التي ذكرها الإباضية في اعتماد منهج العرض على القرآن الكريم لا تعني القول بعدم استقلال السنة بالتشريع بأي وجه من الوجوه، إذ لا تعارض بين القول بذلك وبين عدم مناقضة السنة للكتاب، فالسنة الصحيحة الثابتة لا تناقض الكتاب وكون السنة راجعة للكتاب أولا وأخيرا لا غرابة فيه، فثبوت
439) الكندي علوم السنة عند الإباضية، ص 164، مرجع سابق.
440) المرجع السابق.
441) البطاشي، زيادات التمهيد، ج 5، ص 384، مرجع سابق.