استقلال السنة بالتشريع
الجزء ١ · صفحة ١٧٤استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية
دراسة تأصيلية
وقد نص أصحابنا - رحمهم الله تعالى على أن السنة حكم الله تعالى، وعليه فإن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بمثابة التبليغ عن الحق تعالى، ذلك لأنه الموكل بالبيان، ومما يؤكد ذلك ما حكاه ابن بركة فيما نقلته سلفا - حول الخلاف الدائر بين أسلاف أصحابنا في نسخ القرآن بالسنة ونص كلامه: "والذي عليه جُل فقهاء أصحابنا أن القرآن ينسخ القرآن، ويُنسخ بالسنّة، كما أن السنة تنسخ بالسنة، وقد وجدت لبعض أصحابنا أن السنة لا تنسخ القرآن. ولعل هذا مذهب بعض البصريين، وحجة هؤلاء أن القرآن لا يُعلم نسخه، إلا بخبر من الله تبارك وتعالى، أو الرسول عليه السلام، أو إجماع الأمة على النسخ، أو تقوم دلالة على نفس الخطاب، ولم تقم الدلالة من هذه الوجوه، قالوا: وقد قال الله جل ذكره: ﴿مَا تَنسَخ من آية أو تُنسبها نات يخير منها أو مثلها﴾ (100)، والسنة فليست مثل القرآن والسنة وإن كانت حكم الله تعالى فليست مثل القرآن في نفسه معجزة، قال الله جل ذكره: ﴿قُل لِّيْنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (451)، والسنة ليست بنفسها معجزة، فإذا لم تكن مثل القرآن لم تجز أن تنسخ، القرآن والحجة لمن أجاز نسخ القرآن بالسنة، قالوا: لأن القرآن حكم الله جل ذكره، والسنة حكم الله يُنسخ أحدهما بالآخر، واحتجوا بقول الله جل ذكره: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
(801)
450) سورة البقرة، الآية 106.
451) سورة الإسراء، الآية 88.