استقلال السنة بالتشريع
الجزء ١ · صفحة ١٩٢استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية
دراسة تأصيلية
وإطلاق حكم الإباحة على هذا النوع يؤذن بشرعيته، إذ المباح أحد أقسام خطاب الحكم التكليفي، وإن كان هذا التشريع من باب التأكيد لا من باب التأسيس، بمعنى أن كونه بشرا يقوم ويقعد ويجلس ويأكل ونحو ذلك من سائر الأفعال الجبلية فهذا يؤكد الأصل العام القاضي بإباحة هذه الأفعال.
وعلى هذا فقد ذهب البعض إلى اعتبار أفعاله الجبلية من السنة ما دامت تفيد المشروعية، سواء أدخلناها في مفهوم الوحي الصريح، أو أنها مقرة من قبل الوحي مآلا، إذ إن الإقرار الإلهي لما يفعله النبي يعد وحيا، ولا يمكن بحال من الأحوال القول بأنه قد يخالف فيفعل ما لا يحل، ولو كان من الأفعال الجبلية.
إلا أن هذا من باب الاصطلاح لا غير، ونحن لا نحتاج في إثبات حلية الأكل أو القعود والقيام إلى ذكر الأفعال الجبلية، ومن هنا فقد رأى البعض إخراج هذا النوع من السنة إذ إن ذكرها في مقام السنة لا حاجة إليه، وتكفي في ذلك الإباحة الأصلية. مدى التلازم بين الوحي والتشريع:
وقد ذهب الباحث محيي الدين بن قدرت السمرقندي إلى نفي التلازم بين كون الشيء تشريعا وبين كونه صادرا من الوحي، يقول - نافيا التلازم بينهما في أفعال الرسول لها الجبلية وآرائه وظنونه في أمور الدنيا -: "وفي الجملة وعلى ما ترجح في أفعاله عليه الصلاة والسلام الجبلية وآرائه وظنونه في أمور الدنيا من أنها تفيد شرعا ما يكون إثبات عدم التلازم بين كون الصادر عنه عليه السلام تشريعا وبين كونه صادرا عن الوحي هو الصواب في المسألة، بمعنى أنه قد يكون بعض ما صدر عنه عليه
174