استقلال السنة بالتشريع
الجزء ١ · صفحة ١٩٤استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية
دراسة تأصيلية
وعليه فإن تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية على هذه الصورة يحمل شيئا من الغموض والإشكال، وقد مضى على ذلك أيضا جمع من الباحثين، وقد تقصت دراسة الباحث السمرقندي القائلين بهذا التقسيم من الجذور الأولى له، وذكر أن من بين الأصول التي اعتمد عليها القائلون
بهذا التقسيم اشتراط كون التشريع صادرا من الوحي الصريح، وقد أجاب الباحث على الكثير من التساؤلات المطروحة حول الموضوع. وممن ذكرهم السمرقندي في بحثه الدكتور عبد المنعم عمر، وقد عثرت على كتابه حول السنة والتشريع، فوجدته ينهج في تقسيمات كتابه وتفريعاته على النمط الذي سار عليه من سبقه كالشيخ شلتوت خاصة في موضوع تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، غير أنه لم يكتف بالتصريح باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل أخرجه عن مفهوم الوحي، وحاول التدليل على فكرة الاجتهاد فيما اجتهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولو أدى الأمر إلى مخالفة اجتهاده، ذلك بدعوى أن ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم باجتهاده إنما كان على ضوء الواقع أمامه وبعيدا عن الوحي، فكيف يكون حكما ثابتا للأبد لا يجوز لأحد بعده أن يتصرف فيه؟
وقد ذكرت سلفا أن الوحي الباطن وهو اجتهاده صلى الله عليه وسلم لا ينفك عن دائرة الوحي سواء اعتبرناه وحيا صريحا أو وحيا باعتبار المال وهو إقرار الوحي له، ولا يمكن الخروج في اجتهاده عن هذين المحملين، ودلائل القرآن واضحة صريحة في تتبع الوحي لخطو النبي صلى الله عليه وسلم في كل نازلة، وما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن ابن أم مكتوم يعد أصرح الأدلة على ما ذكرت، فإذا كانت قواطع الوحي قد جاءت بذلك العتاب في أبلغ صوره وأدق الفاظه وأصرح معانيه لإجل إعراضه صلى الله عليه وسلم عن أحد أصحابه، فكيف بغير ذلك من قضايا التشريع
ونوازله؟
وممن وجدتهم يقولون بهذا التقسيم أيضا ممن لم أجد ذكرا لهم عند السمرقندي: جميلة الرفاعي ومحمد رامز العزيزي، فقد ألفا كتابا حول السنة النبوية في التشريع الإسلامي، خصا فيه مبحثا حول ما يعتبر دليلا شرعيا من السنة النبوية، وتقسيمهما يقارب تقسيم الشيخ شلتوت. ومن الجدير بالذكر أن الذين فرقوا بين التشريع وغير التشريع من السنة يظهر من كتاباتهم عدم التفرقة بين الإلزام والتشريع، وكأن التشريع في حقيقته يعني الإلزام المطلق، ولا تلازم بين الأمرين كما سيأتي بيانه، بل إن الدكتور عبدالحميد متولي رد سبب الجمود ونضوب ساحة الاجتهاد الذي وقع ويقع في ميدان الشريعة الإسلامية إلى عدم التفريق بين السنة وتشريعاتها من حيث كونها عامة أو زمنية مؤقتة، وهذا بعد أن مايز بين ما بعد من السنة تشريعا وما لا يعد منها تشريعا.
ومن الجدير بالذكر أن ممن تمسك بتقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه كيف نتعامل مع السنة النبوية". وقد انتقد الدكتور بسطامي محمد فكرة تفريق السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، واستعرض في بحثه الكثير من الأصول التي اعتمد عليها القائلون بالتقسيم، وعالجها، ونظير ذلك صنيع الدكتور هزاع الغامدي في رسالته. (انظر: هزاع الغامدي، محاولات التجديد في أصول الفقه ودعواته دراسة وتقويما، جامعة الإمام محمد بن سعود الرياض - السعودية، د. ط، 1429 هـ - 2008 م، ج 1، ص 499 - 516 / يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع السنة النبوية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا - الولايات المتحدة الأمريكية، ط 2، 1411 هـ - 1990 م، ص 34 35 / عبد الحميد متولي الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للدستور، منشأة المعارف، الأسكندرية - مصر، د.، د. ت، ص 106، 118 / محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة دار الشروق، القاهرة - مصر،
"
ط 17،
176