استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية: دراسة تأصيلية أحمد بن سالم بن موسى الخروصي

استقلال السنة بالتشريع

الجزء ١ · صفحة ١٩٩

استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية

دراسة تأصيلية

هذا التشريع يقتضي الإباحة أو الندب أو الوجوب حسب دلالات الألفاظ، فالواجب

امتثال دلالة السنة مطلقا دون استثناء

(516 () 517)

516) مما ينبغي بيانه كذلك ما ذكره بعض المعاصرين من التفصيل الوارد فيما هم النبي النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ولم يفعله، وقد قسم الدكتور محمد الأشقر ما هم به صلى الله عليه وسلم إلى قسمين: فإما أن يخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم، وإما أن يقدم على الفعل فيحول بينه وبينه حائل فيتركه، ثم قسم النوع الاول إلى أربع حالات.

وخلص المؤلف إلى استبعاد إدخال القسم الأول بتفاريعه من مفهوم السنة، وقال فيه: الظاهر أن الهم لا يدل على مثل ما يدل عليه الفعل لو فعله … فهو صلى الله عليه وسلم لم يخرج ما هم به إلى حيز الوجود … "، أما عن القسم الثاني فلم يستبعد المؤلف إدخاله في مفهوم السنة، لأن المانع خارجي ومباشرة ما هم به قد وقع، ومثل لذلك بما روي أنه صلى الله عليه وسلم أتي بضب محنوذ فأهوى بيده ليأكل، فقيل: أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريد أن يأكل. فقيل: ضب. فرفع يده}، ففيه دلالة على جواز الإقدام على أكل ما لا يعرفه، إذا لم يظهر فيه علامة

التحريم.

أما محيي الدين السمرقندي فيرى إخراج الهم من دائرة السنة إطلاقا، إذ لا وجود له، وما عبر عنه من أقواله عليه السلام وأفعاله فالدلالة فيها – إن وجدت – على حسب اختلاف دلالات الأفعال والأقوال، لا في كونه هم بشيء". (انظر: محمد سليمان الأشقر، أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالاتها على الأحكام الشرعية، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، ط 6، 1424 هـ - 2003 م، ج 2، ص 131 - 136 / السمرقندي، تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، ص 45، مرجع سابق). 517) هنالك الكثير ممن ينادي بحصر مفهوم الوحي في القرآن الكريم، وقد تبنى هذه الفكرة بأشكال متغايرة الكثير ممن عنوا بأمر الاستشراق، بل إن هؤلاء لم يكتفوا بزحزحة مفهوم الوحي ليحصر في القرآن الكريم فحسب، بل اعتبرته الكثير من الخطابات العلمانية قصة تقليدية حفظت وتناقلتها الأجيال كابرا عن كابر، وقد تتبعت رسالة الدكتور خالد بن عبدالله السيف هذه الظاهرة في الفكر المعاصر خاصة، ومن بين المتزعمين للدفاع عن المنهج محمد أركون والذي يقول: "إن الوحي ليس كلاما نازلا من السماء لإجبار البشر على تكرار طقوس الطاعة والعمل نفسها إلى ما لا نهاية، وإنما هو يخلع المعنى على الوجود، وهذا المعنى قابل للتعديل كما ويمكن تأويل هذا المعنى ضمن الميثاق المعهود بين الله والإنسان" وهذا يعني بلا ريب إقصاء مفهوم الوحي ليكون طبيعة مادية قابلة للتشكل والتغيير مما يشكك في المصداقية والواقعية، وممن سار وفق هذا المنهج أيضا كذلك نصر حامد أبو زيد في مشروعه حول مفهوم النص، حيث تدور فكرته على تحويل القرآن إلى منتج اجتماعي، يقول في بيان ذلك: "إن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي، والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع خلال فترة تزيد على العشرين عاماً.

وهذه الوجهة ليست إلا وليدة الهجوم غير المباشر على الإسلام وتشريعاته، بحيث يكون الدين غير صالح لهذا الجيل، إذ إن تغير البيئات يؤذن بلزوم تغير المناهج المشرعة، وقد صرح بذلك أركون في دراسة نشرتها مجلة التواصل الليبية، أجراها الدكتور محمد الكنتي عن أركون ودراساته في الفكر الإسلامي والقرآن خاصة، يقول الكاتب: "يعتقد أركون أن أي محاولة لإحياء التراث تمثل سعيا عكس اتجاه التاريخ، فقد تم تجاوز المرحلة التاريخية،

181