استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية: دراسة تأصيلية أحمد بن سالم بن موسى الخروصي

استقلال السنة بالتشريع

الجزء ١ · صفحة ٢٠٠

استقلال السنة بالتشريع عند الإباضية

خلاصة ما سبق

دراسة تأصيلية

ويمكن أن نلخص بعد هذا التطواف حول السنة والوحي، إلى أن السنة باعتبارها الأصولي أي كونها دليلا شرعيا إنما تشمل كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير سواء كان ذلك وحيا صريحا أو وحيا مقرا في المآل، فيشمل ذلك قوله الصريح وكذلك فعله وتقريره أما فعله الجبلي فهناك من يجعلها في إطار السنة لتأكيدها لحكم الإباحة الأصلية، وهناك من يخرجها إذ لا حاجة لها في تأسيس الحكم الشرعي، ويخرج من دائرة السنة بهذا الاعتبار الفعل الخاص به

التي كان يمكن للتراث الإسلامي فيها أن يكون فاعلا اجتماعيا، بمعنى أن التراث العربي الإسلامي (بما في ذلك (القرآن) نتاج بنيات اجتماعية لم تعد قائمة منذ عصور، وهو بالتالي لا يستطيع أن يؤثر بشكل إيجابي إلا في تلك البنيات والبيئات التي أنتجته … .

ويظهر هذا التوجه أيضا - أعني حصر مفهوم الوحي في القرآن دون السنة - عند بعض المعاصرين، ومن هؤلاء المهندس جواد موسى محمد عفانة الذي ألف كتابا حول دور السنة في إعادة بناء الامة، وقد مضى في كتابه على أساس إخراج السنة من دائرة الوحي، يقول في مطلع كتابه معنونا أحد فصول الكتاب بـ (هل السنة من الوحي؟): " فإذا علمنا أن السنة النبوية الشريفة هي حصيلة اجتهاده صلى الله عليه وسلم بما أوحي إليه ما عدا القرآن وبما فهمه من القرآن وبما خبره من واقع الحال، وإذا لا حظنا أن بعض اجتهاداته صلى الله عليه وسلم لم تأت بالأولى والأقوم، فعاتبه الله تعالى عليها وبين له ما هو أقوم، مع أنه لم يأت بما هو باطل قط، لكن المجتهد قد يصيب وقد يخطئ … ويفهم من ذلك أن الوحي الذي يوحى هو القرآن وحده، … ولا يأتي فيه إلا ما هو أقوم، أما السنة فقد ثبت أنها لم تأت بما هو أقوم على الدوام …

وهذا الكلام يحمل أبعادا خطيرة جدا، ذلك أنه يعني إلغاء مصدر تشريعي واسع، إذ لا يمكن فهم أحكام الدين إلا من خلال السنة المشرفة، وأغلب أحكام الشريعة ثبتت من طريقها، فإخراجها من دائرة الوحي يعني التشكيك في مصداقيتها، والتلاعب بأحكامها بين السلب والإيجاب، ولعل ما ذكرناه في هذا المطلب يغني عن الرد على ما ذكر.

(انظر: مجلة التواصل "فصلية ثقافية شاملة، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، السنة الثالثة – العدد العاشر، 2006 م، ص 120 - 133/ خالد بن عبدالله السيف، ظاهرة التأويل الحديثة في الفكر العربي المعاصر "رسالة دكتوراة"، جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين، مكة المكرمة - السعودية، ص 348 - 352 / محمد أركون الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، دار الساقي، بيروت - لبنان، ط 4، 2007 م، ص 77/ جواد موسي محمد عفانة، دور السنة في إعادة بناء الأمة، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان الأدرن، ط 1، 1419 هـ - 1999 م، ص 31 - 32 /).

182