القياس الشرعي بين الإثبات والإنكار
الجزء ١ · صفحة ٢٩القياس الشرعي بين الإثبات والإنكار
النحاس في معانى القرآن (1)، أما القراءة المتواترة في الآية فهي بحر حبة وما بعدها عطفا على ورقة، ووجه الدلالة أن قراءة الرفع تجعل الجملة الأخيرة مستقلة لا تتعلق بقوله تعالى: " يعلمها " فتدل على المقصود وهو وجود كل الأحكام في القرآن الكريم، وأن المراد بالكتاب هنا: القرآن، الآية تفيد أن كتاب الله قد اشتمل على كل شيء فلا حاجة حينئذ إلى القياس، وهو إنما يكون حجة إذا احتيج إليه، فلا يجوز العمل بالقياس، لأن شرطه فقدان النص، والآية بينت أن كل ما يحتاج إليه من الأحكام منصوص عليه في القرآن
ويجاب عن استدلالهم بهذه الآيات:
أما الآية الأولى: فلا تمنع العمل بالقياس، لأن الله تعالى ورسوله أمر كل منهما بالقياس كما سيتضح ذلك من خلال سرد أدلة الجمهور، فالعمل بالقياس عمل بكتاب الله وسنة رسوله، فلم يكن تقديما بين يدى الله ورسوله
وأما الآيات الثانية والثالثة والرابعة: فلا دلالة فيها على المنع، لأن الحكم الثابت القياس ليس مظنونا، بل هو مقطوع به عند المجتهد، أي معلوم يقينا أنه حكم الله في
المسألة أو أنه على الأقل يجب العمل به، للإجماع على وجوب اتباع ما ظنه المجتهد
وأما وجود الظن فهو في الطريق الموصل إلى الحكم، ولا مانع من وجود قاعدة ظنية في أثناء الاستدلال، لأن العلماء أجمعوا على أن المجتهد يجب عليه العمل والإفتاء بما ظنه صوابا، والإجماع يفيد القطع على الراجح، وأيضا فإن الظن هو الطرف الراجح من الاحتمالات، والعقل يقضى بالعمل بالطرف الراجح.
ويجاب عن هذه الآيات أيضا بأنها واردة في غير محل النزاع، فهي واردة في النهي عن اتباع الظن في أحكام العقائد، فهي التي يتطلب فيها القطع واليقين، أما الأحكام الشرعية العملية فالظن فيها كاف بالاتفاق بين العلماء، والدليل عليه أننا مكلفون
(1) جـ 2/ 437 وكذلك ذكر هذه القراءة ابن عطية في المحرر الوجيز 5/ 222، والقرطبي
ج 08/ 7