القياس الشرعي بين الإثبات والإنكار إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

القياس الشرعي بين الإثبات والإنكار

الجزء ١ · صفحة ٤٦

د / إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

22

يشتركان في معنى العبور (اى المرور والمجاوزة)، فيقال: جزت على كذا أي عبرت عليه، وعبر الرؤيا. جاوزها إلى ما يلازمها

وقد اعترض على هذا الاستدلال بأن المراد بالاعتبار في " فاعتبروا " الاتعاظ، وليس القياس، لأن الأول متبادر إلى الفهم عند إطلاق اللفظ، ولأنه مرتب على قوله سبحانه: هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر، ما ظننتم أن يخرجوا، وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين، فاعتبروا يا أولى الأبصار " (1) فليس المراد من قوله " فاعتبروا " القياس الشرعي، إذ أنه لا يناسب صدر الآية، لأن معنى الآية يصبح حينئذ: يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين، فقيسوا مثلا الذرة على البر في تحريم الزيادة الربوية، وفى هذا غاية الركاكة فيصان كلام الباري عنه.

قال ابن حزم في كتابه: " إبطال القياس والرأى والاستحسان والتقليد والتعليل " (2) فأما قوله تعالى: (فاعتبروا) فلم يفهم أحد قط أن معنى (اعتبروا) قيسوا، والآية جاءت بعقب قوله: " يخربون بيوتهم فلو كان معناه: (قيسوا) لكان أمرا لنا بأن نخرب بيوتنا كما أخربوا بيوتهم الخ … وقال في الإحكام (3): " وما علم أحد قط في اللغة التي نزل بها القرآن أن الاعتبار هو القياس، وإنما أمرنا الله تعالى أن نتفكر في عظيم قدرته في خلق السماوات والأرض، وما حل بالعصاة

وأجيب عن هذا الاعتراض بأن المراد من) اعتبروا (ليس الاتعاظ فقط، وإنما مطلق الاعتبار الذي يكون القياس الشرعى جزءا من جزئياته وفردا من أفراده، وهذا المعنى يناسب صدر الآية ولا ركاكة فيه، إذ يكون معنى الآية يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا الأمور بأشباهها يا أولى الأبصار، فالمقصود من الآية إذا هو تقرير سنة

(1) سورة الحشر الآية: 2.

(2) ص 27 0