القياس الشرعي بين الإثبات والإنكار إبراهيم بن أحمد بن سليمان الكندي

القياس الشرعي بين الإثبات والإنكار

الجزء ١ · صفحة ٨١

القياس الشرعي بين الإثبات والإنكار

107

وأما عند جمهور الأصوليين: فالسبب أعم في مدلوله من العلة، فكل على سبب، وليس كل سبب علة، فإذا كانت المناسبة بين الوصف وربط الحكم به مما تدركه عقولنا فيسمى الوصف علة وسببا، أما إذا كانت المناسبة مما لا تدركه عقولنا فيسمى الوصف سببا فقط، فمثلا عقد البيع الدال على الرضا بنقل الملكية، يقال به: علة وسبب، وزوال الشمس عن وسط السماء، يقال له سبب ولا يقال له علة.

ما الذي تبنى عليه الأحكام ويصح التعليل به؟:

قرر جمهور الأصوليين أن التعليل يكون بالوصف الظاهر المنضبط، سواء أكان معقولا كالرضا والسخط الظاهرين، أم محسوسا كالقتل والسرقة، أم عرفيا كالحسن والقبح، فمثل هذه العلة هي مناط الحكم عند الشارع (1).

أما الحكمة: فإنه قد يتبادر إلى الذهن أن الحكم مرتبط بها، لأنها الباعث على تشريع الحكم، ولكن وجد أن الحكمة قد تكون أمرا خفيا لا تدرك بحاسة ظاهرة، أو أمرا غير منضبط يختلف باختلاف الأحوال أو باختلاف الناس فمثلا: إباحة البيوع، حكمتها دفع الحرج عن الناس بسد حاجتهم، والحاجة أمر خفى، فقد تكون المعاوضة بالبيع لحاجة أو لغير حاجة، وإباحة الفطر في رمضان، حكمتها دفع المشقة والمشقة تختلف باختلاف الأحوال والناس، فالحكام والأغنياء مثلا لا ينالهم من المشقة في السفر ما ينال الرعية والفقراء، والمشقة فى زمن الصيف تختلف عن المشقة في زمن الشتاء، والسفر على الطائرات غير الركوب على الجمال

ومشروعية قصر الصلاة في السفر، حكمتها دفع المفسدة التي هي المشقة، غير أن هذه المشقة أمر اعتبارى يختلف بالنسبة للأشخاص والظروف والأزمان والأماكن، فلا يمكن جعل المشقة مناطا للحكم وهو الترخيص في قصر الصلاة، ولكن لما كان السفر مظنة هذه المشقة، وهو أمر ظاهر منضبط، جعل السفر علة لإباحة القصر كما هو علة

لإباحة الفطر

(1) التلويح على التوضيح 2/ 63: التقرير والتحبير 3/ 141؛ مسلم الثبوت 2/ 223؛