التجارة بين النظري والتطبيقي
الجزء ١ · صفحة ١٥٩لهذه الاعتبارات يجب التعامل مع المسند بنفس الحيطة التي يجب تبنيها حيال أي مجموعة من الأحاديث ولا يبدو لنا أن هناك ما يدعو إلى الشك في أصالة السنن الواردة في الجزأين الأخيرين الجزء الثالث يعكس خاصة النقاش الديني والسياسي الذي كان يدور في الأوساط الاباضية أيام أبو عبيدة(1) والذي تمخضت عنه العقيدة التي نشرها دعاة الطائفة بين برابرة إفريقيا الشمالية(2)
(1) الأحاديث عن الإمامة التي تؤكد، حسب التالبي تسلل بعض المواد الغير إباضية إلى المسند إنما هي في الحقيقة تمثل المراحل اللاحقة في تطور الفكر الاباضي بهذا الخصوص. دراسات التاريخ الإفريقي، 37 ملحوظة 2. الحديث الذي يدعو فيه الرسول (ص) إلى طاعة الأئمة الظالمين، إلا أن يمنعوكم من أداء الصلوات الخمس "(رقم 780) والذي تم نفيه بالأحاديث اللاحقة، خاصة الحديث رقم 786، يمكن اعتباره من بقايا سياسية المهادنة التي قادها جابر تجاه الخلافة، ومن تجليات اعتدال الإباضيين الأوائل مشاركتهم في صلاة الجمعة. ينقل جابر في المسند قول الرسول بأنه تجوز الصلاة وراء الإمام الصالح كما تجوز وراء الفاسق (رقم 776) وهذا يجد تأكيدا في سنتين وردتا في الأثار يحكى فيهما أن جابر اعتاد أن يصلي وتلامذته الذين كان من بينهم والد الربيع صلاة الجمعة وراء الحجاج وإن كان يبغضه. الآثار 16-5 و 20 -27. كان أداء الصلاة هذا اعتياديا بين أوائل الاباضيين أما مسألة عدم شرعية صلاة الجمعة مع غير الاباضيين فهي لم تبرز إلا في فترة ابن عبد العزيز والمؤرخ الشماخي : السير 104. شكلت هذه المسألة سبب الخلاف بين أبو سفيان وهارون بن اليمان (الرسالة التي بعث بها أبو سفيان إلى إباضيي حضرموت والتي يحتفظ بها في الكتاب الجامع لمحمد بن جعفر،2، 401).
(2) الفترة التي انتشرت فيها العقائد الدينية والسياسية المعبر عنها في المسند في المغرب يمكن تحديدها من خلال مقارنة المسند بكتاب ابن سلام (أقدم مؤلف في تاريخ الأباضيين المغاربة ق هـ3/9م) وبالرغم من أنه ليست هناك أية علاقة تبعية بين المؤلفين فإننا نلاحظ تقاربا كبيرا في مضامين الفصول 2و3 (التي تبرز أسس العقيدة الإباضية)، الفصل 16 (حول فتنة وخيانة أهل قريش) من كتاب ابن سلام وفصول المسند التي تتطرق لنفس المواضيع، غير أن المسند يعكس عقيدة الطائفة البصرية ويمكن تأكيد هذا من خلال غياب الأحاديث فيه عن المروءة البربرية والتي نجدها مذكورة في كتاب أبي سلام كثمرة الترويج للحركة الإباضية في المغرب (121-125-131)، بالعكس نجد في المسند حديثا (رقم899) عن عظمة أناس عمان والذي ربما يكون نتيجة تأليف الكتاب بعد انتقال الطائفة إلى عمان.