عمل المرأة المسلمة
الجزء ١ · صفحة ٥٣لقد أخذت الأمر بجدية تامة، ثم أفاضت عليه بحنانها، فأذهبت عنه هذا الفزع ببضع كلمات عميقة سرت فيه مسرى الدم في العروق، لم ينته دورها هنا بل سارعت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل مستفسرة، ولم تقر عينها حتى أتته بالخبر اليقين الذي أثلج صدره.
فسارت معه في رحلته النبوية خطوة خطوة مؤازرة له بالرأي السديد، والمال الوفير، والعمل الجاد، حتى إن النبي الا الله من شدة حبه لها سمى العام الذي توفيت فيه هي وعمه أبو طالب بـ عام الخزن، وبقيت ذكراها في قلبه إلى أن أخذه الله إلى
جواره. (1)
"عن عائشة قالت كان النبي الليل إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت ذكرها يوما فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله عزوجل بها خيراً
منها. قال: ما أبدلني الله عزوجل خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس
،
وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، وزرقني الله عزوجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء. (2)
تلك هي المكانة العظيمة التي احتلتها خديجة رضي الله عنها من الرسول الكريم، سيد الخلق أجمعين، وكتب السيرة ترفدنا بمثل هذه القصص والمواقف لهذا السند العظيم، تلك هي المرأة الجديرة بالذكر والثناء، التي تستحق قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها). (3) لقد تجلى فيها معنى الآية؛ إنها السكن والهدوء، والراحة، فقد كانت التي أسعدته في رمضاء الجاهلية، وزمهريرها. لقد تركت بصمات على صفحات الدعوة،
(1) ينظر: كتب السيرة. وللمرجعين السابقين.
(2) أخرجة الإمام أحمد في مسنده.
(3) سورة الروم الآية 21
-29 -