قاعدة الربح بالضمان
الجزء ١ · صفحة ٦٩قاعدة " الربح بالضمان"، دراسة تأصيلية تطبيقية
(01)
يقول ابن القيم (1): لأَنَّهُ إذا باع ما ليس عنده فليس على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له وقد لا
(2)
يحصل، فيكون غررا كبيع الآبق والشارد والطير في الهواء … " (2).
فيرون أن علة تحريم بيع ما لم يُملك هو الغرر.
ولمحاولة مقاربة علة النهي نستحضر أن رسول الله الرخص في السلم، رغم أنه صوريا بيع ما لم
يملك، ولا ريب
أن تحريم بيع ما لم يُملك كان لدفع مفسدة، وما كان لرسول الله له أن يحل شيئا فيه مفسدة، لذلك اشترط للسلم جملة شروط ترفع عنه علة التحريم الموجودة في بيع ما لم يُملك)، وما علينا إلا تأمل شروط صحة السلم لمقاربة تلكم العلة.
وأهم شرط في السلم هو شرط حضور الثمن كاملا في المجلس، وهو شرط مجمع عليه)، وسنحاول استخلاص علة التحريم منه.
إن تخلف الثمن في المجلس يؤدي إلى بيع الدين بالدين)، لأن الثمن والمثمن دينان، وقد ثبت في عصرنا هذا حكمة ذلك؛ فالذي يريد شراء شيء ما وليس عنده مال له ثلاثة خيارات: إما أن يشتري بالنسيئة أو التقسيط، وإما أن يجد قرضا حسنا ليشتري به وإما -والعياذ بالله - يلجأ إلى القرض الربوي،
1) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، شمس الدين بن قيم الجوزية (ت 751 هـ): من كبار العلماء، مولده ووفاته في دمشق، تتلمذ على ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ما يصدر عنه، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه، وسجن معه في قلعة دمشق، وأطلق بعد موت ابن تيمية.
ألف تصانيف كثيرة منها: إعلام الموقعين عن رب العالمين، والطرق الحكمية في السياسة الشرعية "، و "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل .. انظر: الزركلي، الأعلام، ج 1 / ص 056
(2) ابن القيم، شرح سنن أبي داود، مطبوع مع عون المعبود، ج 9 / ص 411. (3) ويبدو لي أن عقد السلم بشروطه لا يعد استثناء، أو رخصة من بيع ما لم تملك، لكنه تكييف لعقد جديد بشروط وضوابط جديدة، فلو أجيز على الإطلاق لأمكن اعتباره رخصة، وإلا لأمكن أن يقال إن النكاح رخصة واستثناء من الأصل العام في تحريم لقاء المرأة والرجل، لكن في الحقيقة إن النكاح عقد جديد بشروط وضوابط خاصة.
(4) محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (318 هـ)، كتاب الإجماع، تحقيق: عبد المنعم أحمد، نشر دار الثقافة، قطر، ط 3 - 1408 هـ / 1987 م، الإجماع رقم 495، ص 93. محمد بن علي البعلي فقه الدليل شرح التسهيل شرح عبد الله بن صالح الفوزان، نشر مكتبة الرشد، ط 1 - 1427 هـ / 2006 م، ج 4 / ص 102. وقول المالكية بجواز التأخير ثلاثة أيام لا يخرجهم عن المجمعين، والتأخير ثلاثة أيام هو بمثابة حضور الثمن، وما جوّزت إلا لمراعاة حالات طارئة، وإلا فإنها لا تحيل للمعاملة إلى بيع الدين بالدين.
ه اطفيش، شرح النيل، ج 8/ ص 635. القراني، الفروق، ج 3 ص 291. قال الشافعي: ويجوز بيع العين الغائبة بثمن حال ومؤجل: لأن بيوع الأعيان يصح تأجيل الثمن فيها، سواء كانت العين حاضرة أو غائبة، لأنه بيع عين بدين، وليس كالسلم المضمون في الذمم، فلا يصح يبيعه بمؤجل: لأنه يصير في معنى بيع الدين بالدين"، الماوردى، الحاوى الكبير، ج 5/ص 43.