الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٠٧القسم الأول: مظاهر الاستبداد
والاقتداء
بهم
107
ولا خليفة لنبي، ولا قاضيا ولا من يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين من مفت، أو شاهد، أو مخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرا، فقد أفادت الآية أن شرط جميع من كان في محل الائتمام به في أمر الدين العدالة والصلاح، وهذا يدل أيضا على أن أئمة الصلاة ينبغي أن يكونوا صالحين غير فساق ولا ظالمين، لدلالة الآية على شرط العدالة لمن نصب منصب الائتمام به في أمور الدين؛ لأن عهد الله هو أوامره فلم يجعل قبوله عن الظالمين منهم، وهو ما أودعهم من أمور دينه وأجاز قولهم فيه وأمر الناس بقوله منهم فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنبَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يس: (60) يعني أقدم إليكم الأمر به، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ [آل عمران: 183]، ومنه عهد الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إنما هو ما يتقدم به إليهم ليحملوا الناس عليه ويحكموا به فيهم، وذلك، لأن عهد الله إذا كان إنما هو أوامره لم يخل قوله: لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّلِمِينَ} من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، أو أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى وأحكامه ولا يؤمنون عليها، فلما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم، وأنهم إنما استحقوا سمة الظلم أوامر الله ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها، فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق، وأنه لا يكون خليفة، وأن من نصب نفسه في المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (1)، ودل أيضا على أن الفاسق لا يكون
لتركهم
(1) أخرجه أحمد (66/ 5، رقم 0672 206)، والحاكم (501/ 3، رقم 5870) وقال: صحيح الإسناد. والطبراني (165/ 18، رقم 367). وأخرجه أيضا الخطيب (22/ 10).