الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١١٨

118

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

وقد تشبث الذين رسخوا في الأمة طاعة الظلمة الفجرة، وجعلوهم كالعدول البررة، بحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية» (1)، وليست لهم في هذا حجة، فإن غاية ما في الحديث أن من كان تحت إمرة أحد يقوده، فوقع بينهما خلاف، فإن على المقود أن يصبر، ولا يثأر لنفسه بتمزيق الصف وتشتيت الكلمة وإثارة الفتنة بين المسلمين حتى يجعل الله له مخرجا، بحيث يجد الحجة في مرافعة خصمه ومقاضاته إلى من يحكم بينهما، ولا يعني ذلك ـ بحال - الصبر على انتهاك المحارم، وإشاعة الفساد، وانتشار الظلم، إذ لو كان الحديث دالا على وجوب الصبر، وعدم الخروج على الإطلاق، لشمل ذلك ما لو ارتد الأمير ونبذ الإسلام وراء ظهره، فلما تعذر ذلك بالإجماع، وجب حمله على هذا المعنى الصحيح، الذي يساير روح التشريع، ويتفق مع مقاصد الدين.

وتعلقوا ـ بجانب ما تقدم ـ بأدلة أخرى، منها قوله تعالى فيما حكاه عن ابن آدم لَن بَسَطتَ إِلَى يَدَكَ لِنَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطِ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوا بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ

28

أَصْحَب النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاوُا الظَّلِمِينَ} [المائدة: 28 - (29)، وذلك أنهم رأوا سريان

هذا الحكم فيما يكون بين المتسلط الظالم وبين مظلوميه.

وقد أجاب ابن حزم عن هذا الاستدلال بأن تلك شريعة أخرى غير

(1) أخرجه أحمد (310/ 1، رقم (2826)، والبخاري (2588/ 6، رقم 6646)، ومسلم (1477/ 3، رقم 1849)، وأبو يعلى (234/ 4، رقم 2347). وأخرجه أيضا: الطبراني (160/ 12، رقم 12759) والدارمي (314/ 2، رقم 2519)، والبيهقي (157/ 8، رقم 16393)، وأبو عوانة (423/ 4، رقم 7178).