الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٢٥القسم الأول: مظاهر الاستبداد
125
فبايعناه، فقال: فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان).
ووجه استدلالهم به أن عصيان من ولي الأمر لا يجوز، إلا إن كان مرتكبا كفرا بواحا، وهو ما يخرجه من ملة الإسلام.
وجوابه: أن الكفر أعم من أن يكون كفر ملة مخرجا من الملة، أو كفر نعمة يصدق على من ركب معصية وأصر عليها، فإن الكفر لغة بمعنى التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ﴾ [الحديد: 20]، فإن المراد بالكفار فيه الزراع، لأنهم يكفرون البذر بما يغطونه به من التراب، ومن شواهده قول لبيد:
يعلو طَريقَةً مَتنِها مُتَواتِرٌ في ليلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُها
ومن لم يقابل نعمة المنعم بما تستحقه من الشكر فقد كفرها، فلذلك كان الكفر نقيض الشكر، لأن الشاكر مظهر للنعمة بقيامه بحقها، ونعمة الله تعالى إنما يتحقق شكرها بتسخيرها في طاعته ومن استخدمها في معصيته فقد كفرها، قال في «اللسان»: «والكفر: كفر النعمة، وهو نقيض الشكر. والكفر جحود النعمة وهو ضد الشكر (2).
ودليل ذلك من الكتاب قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان (3)، وقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيْن شَكَرْتُمْ 3]، لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَبِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]، وقوله في قصة سليمان: قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي وَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرٌ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا
(1) أخرجه البخاري (2589/ 6 رقم 6647)، ومسلم (1471/ 3 رقم 1709).
(2) لسان العرب، ج 5، ص 144.