الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٣٣القسم الأول: مظاهر الاستبداد
133
بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده» (1)، فكان ظاهر هذه الأخبار معارضا للآخر، فصح أن إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى، لا يمكن غير ذلك، فوجب النظر في أيهما هو الناسخ، فوجدنا تلك الأحاديث التي منها النهي عن القتال موافقة لمعهود الأصل، ولما كانت الحال فيه في أول الإسلام بلا شك، وكانت هذه الأحاديث الأخر واردة بشريعة زائدة وهي القتال، هذا ما لا شك فيه، فقد صح نسخ معنى تلك الأحاديث ورفع حكمها، حين نطقه عمل بهذه الأخر بلا شك، فمن المحال المحرم أن يؤخذ بالمنسوخ ويترك الناسخ، وأن يؤخذ الشك ويترك اليقين، ومن ادعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت
هي
الناسخة فعادت منسوخة فقد
ادعى الباطل، وقفا ما لا علم له به فقال على الله ما لم يعلم، وهذا لا يحل، ولو كان هذا لما أخلى الله عل هذا الحكم عن دليل وبرهان يبين به رجوع المنسوخ ناسخا لقوله تعالى في القرآن تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وبرهان آخر وهو أن الله لا قال: ﴿وَإِن طَابِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَنَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ [الحجرات: 9]، لم يختلف مسلمان في أن هذه الآية التي فيها فرض قتال الفئة الباغية محكمة غير منسوخة، فصح أنها الحاكمة في تلك الأحاديث، فما كان موافقا لهذه
(313/ 1)، وأبو داود (246/ 4، رقم 4772)، وابن عساكر (223/ 5). ومن طريق جابر: أخرجه الخطيب (217/ 11). ومن طريق سويد بن مقرن: أخرجه ابن عساکر (288/ 21)، ومن طريق ابن الزبير وابن كريز معا أخرجه ابن عساكر (248/ 29). وأخرجه أيضا: ابن أبي عاصم في الآحاد (408/ 1 رقم 567)، وابن قانع (125/ 2)، والطبراني في الأوسط (93/ 8، رقم 8069)، والحاكم (741/ 3، رقم 6697). قال الهيثمي (245/ 6): رواه عنهما الطبراني في الأوسط، ورواه الكبير، عن ابن الزبير وحده. وكذلك رواه البزار، وفيه عبد الله ابن مصعب الزبيري، وهو ضعيف.
(1) أخرجه أحمد (7/ 1، رقم 30).