الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

134

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

الآية فهو الناسخ الثابت وما كان مخالفا لها فهو المنسوخ المرفوع». اهـ). قلت: من الواضح بداهة أن الإسلام الحنيف جاء بالشريعة العادلة السمحة، التي تعطي كل أحد حقه وتنزل كل أمر منزله، وتبني حياة الأمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحقاق الحق وإزهاق الباطل، أحكامه ولكنه تدرج في تشريع من الأدنى إلى الأعلى، فكان الملائم لحال الأمة في بداية أمرها - وما كانت عليه من ضعف وقلة، وعدم اجتماع شتاتها وائتلاف نظامها - أن لا تحمل على الأشد في ذلك، حتى يستوسق أمرها ويقوى عضدها ويشتد ساعدها، كما هو واضح في عدم مشروعية القتال لها إلى أن كانت الهجرة، وولدت دولة الإسلام، ووقف على قدميه، فتسنى له أن يتحدى عدوه، ومن ناحية أخرى فإن في حمل الأمة على الصبر بادئ ذي بدء اختبارا لحالها وترويضا لها على ممارسة أمرها بنفس طويل، حتى يتسنى لها التصدي لما يعنيها والتحدي لمن يناوئها، فتبين بهذا صواب ما ذهب إليه ابن حزم، من كون أدلة المنع سابقة منسوخة وما عداها متأخرا ناسخا، لأنه الملائم لروح الإسلام.

ثم تعرض ابن حزم لدعوى من ادعى أن هذه الحجج، التي عدها

ناسخة، إنما هي في اللصوص دون الجبابرة المتسلطين، وتعقبها بقوله: وهذا باطل متيقن لأنه قول بلا برهان وما يعجز مدع أن يدعي في تلك الأحاديث أنها في قوم دون قوم وفي زمان دون زمان، والدعوى دون برهان لا تصح، وتخصيص النصوص بالدعوى لا يجوز، لأنه قول على الله تعالى بلا علم، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سائلا سأله عن من طلب ماله بغير حق، فقال عل: «لا تعطه»، قال: فإن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: فإن

(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 4، ص 134.