الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

139

على أن القرآن الكريم واضح في كون فسادهم ـ إن لم يقبض على أيديهم ويردعوا عنه ـ هو الذي يترتب عليه هلاك الأمم ودمار الأمصار، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتَرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَ مَرْنَهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

كما أنه واضح في عدم استواء البررة والفجرة في الأحكام، فقد قال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ) [ص: 28] وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجانية: (21] وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحكُمُونَ﴾ [القلم: 35 - 36، فلا يستوون في أحكام الدنيا، كما أنهم لا يستوون في المآل الأخروي، ولكل مقامه وقدره وحكمه.

-

3 - رد الروايات ولو صحت أسانيدها عندما تتعارض مع هذه السياسة: انتهى الأمر ببعض الأئمة إلى رسوخ هذا الفكر في أذهانهم، واستيلائه على ألبابهم، حتى تجرأوا أن يردوا الروايات ولو ثبتت أسانيدها، عندما تعارض موقفهم هذا من الظلمة، بل إلى شطبها رأسا حتى لا يبقى لها أثر؛ فهذا ابن حنبل اعترض على حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: يهلك أمتي هذا الحي من قريش قالوا فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم)، مع أنه ثابت عند الشيخين وغيرهما، بل رواه أحمد نفسه؛ فقد قال ابنه عبد الله قال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني قوله: «اسمعوا

(1) أخرجه أحمد (301/ 2، رقم (7992)، والبخاري (1319/ 3، رقم 3409)، ومسلم (2236/ 4، رقم 2917).