الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

145

ولربما كان تأثير الجارية المحظية عند السلطان، هو الذي يجعله يلبي رغبتها في قتل أولاده من غيرها، ليصفو الأمر لولدها، كما كان ذلك في عهد السلطان سليمان القانوني، الذي قتل ولده مصطفى الذي كان برا به إرضاء لمحظيته، حتى يؤول الأمر من بعده إلى ابنها سليم، ولم تكتف بقتل مصطفى، وإنما أرسلت إلى طفله الرضيع من يقتله في قراره. (1) وكان للسلطان محمد الثالث تسعة عشر أخا أمر بخنقهم جميعا يوم تولى السلطة بعد وفاة أبيه قبل دفن السلطان السابق فدفنوا معه (2).

وكان هذا كله، يجري على مسمع ومرأى من الفقهاء وذوي المناصب الدينية، ولم يكونوا يحركون ساكنا، أو يقفون في وجه هذا الفساد، كل ذلك بتأثير مبدأ الطاعة المطلقة للجائر كالعادل وللمفسد كالمصلح، وقد نص على هذا أحد المؤرخين للدولة العثمانية، فقال: «وكان العلماء والأدباء لا يهتمون إلا بالدين وحده هذا على الرغم من بعض التصرفات التي كان يقوم بها بعض الخلفاء والتي تخالف الإسلام صراحة مثل قتل الأقرباء خوفا من المنازعة على الحكم أو للتفرد بالسلطة أو إباحة شرب الخمور» (3).

بل ذكرتُ هذا لبعض الشباب المثقفين المهتمين بالدراسات الإسلامية في تركيا، وأضاف إلى ذلك، أن هذا كان يجري بمساندة من الفقهاء، الذين كانت فتاواهم تسوغ هذه التصرفات من سلاطين آل عثمان، وذكر أن معظم هؤلاء الضحايا كانوا يقتلون في أعمار الزهور، وكانوا يتوسلون إلى قاتليهم أن يدعوهم يعيشون كسائر عامة الناس من غير أن تكون لهم سلطة أو امتيازات خاصة، ولكن ما كانوا يجدون من يصغي إلى طلبهم، فكانوا

(1) تاريخ الدولة العلية العثمانية، فريد بك المحامي، ص 245 - 246، المكتبة الشاملة. (2) تاريخ الدولة العلية العثمانية، ص 267.

(3) انهيار الدولة العثمانية، ص 139، المكتبة الشاملة.