الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٥القسم الأول: مظاهر الاستبداد
15
هذه المذكرات ضمن ما خلفته السنون بين الكتب الهيروغليفية، وترجمت مذكرات هذا الطبيب التي كتبها بأسلوب رائع وبديع إلى اللغات العالمية الحية، وطبعت أكثر من مرة، وهي الآن بين أيدينا يستطيع القراء قراءتها كل بلغته واستخلاص دروس العجب منها.
يقول (سنوحي) في مذكراته كنت أمشي في شارع من شوارع مصر، وإذا بالرجل الوجيه الشريف الثري المعروف (إخناتون) ملقى على الأرض مضرجاً بدمائه، وقد قطعت يداه ورجلاه من خلاف وجدعت أنفه، وليس في بدنه مكان إلا وفيه طعنة رمح أو ضربة سوط وهو قاب قوسين أو أدنى من الموت، فحملته إلى دار المرضى وجاهدت جهاداً عظيماً لإنقاذه من
الموت، وبعد شهرين أو أكثر وعندما أفاق من غيبوبته قص عليَّ المحزنة المفجعة قائلاً:
«لقد أمرني الفرعون (أمفسيس) أن أتنازل له عن كل شبر أرض أملكه، وأن أهبه أزواجي وعبيدي وكل ما أملك من ذهب وفضة، فاستجبت لما أراد، بشرط أن يترك لي داري التي أسكن فيها ومعشار ما أملكه من الذهب والفضة لأستعين بها على أودي، فاستثقل فرعون هذا الشرط واستولى على كل ما كان عندي ثم أمر بأن يفعل بي تلك الأفاعيل الشنيعة، وأن أطرح في الشارع عارياً لأكون عبرة لمن يخالف أوامر الإله (أمفسيس)». ودارت الأيام، و (إخناتون) المسكين يعاني الفقر والحرمان، وكل أمله
في هذه الدنيا هو القصاص من الفرعون الظالم ولو على يد غيره. ومات الفرعون، وحضرت مراسيم الوفاة بصفتي كبير الأطباء، فكان الكهنة يلقون خطب الوداع مطرين الراحل العظيم، وكانت الكلمات التي يرددونها لا زلت أتذكرها جيداً، فقد كانوا يقولون: «يا شعب مصر، لقد