الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٦

16

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

فقدت الأرض والسماء وما بينهما قلباً كبيراً كان يحب مصر وما فيها من إنسان وحيوان ونبات وجماد، كان للأيتام أباً وللفقراء عوناً وللشعب أخاً ولمصر مجداً. كان أعدل الآلهة وأرحمهم وأكثرهم حباً لشعب مصر. ذهب (أمفسيس) لكي ينضم إلى الآلهة الكبار وترك الشعب في ظلام».

ويضيف (سنوحي): «وبينما كنت أصغي إلى كلام الكهنة ودجلهم في القول، وأندب حظ مصر وشعبها المسكين الذي يرزح تحت سياط الفراعنة والكهنة معاً، وبينما كانت الجماهير المحتشدة - التي لقي كل فرد منهم على حدة من بطش فرعون وسياطه أذى وعذاباً ـ تجهش بالبكاء: سمعت رجلاً يبكي كما تبكي الثكلى، وصوت بكائه علا الأصوات كلها، ويردد عبارات غير مفهومة، فنظرت مليا، وإذا صاحب البكاء هذا هو (إخناتون) المعوق العاجز الذي كان مشدوداً على ظهر حمار وأسرعت إليه لأهدئه بعض الشيء، فقد ظننت أنه يبكي سروراً وابتهاجاً على وفاة ظالم ظلمه إلى حد الموت بالتعذيب، ولكن (إخناتون خيب آمالي عندما وقع نظره علي، وأخذ يصرخ عاليا بقوله: «يا (سنوحي) لم أكن أعلم أن (أمفسيس) كان عادلاً وعظيماً وباراً بشعبه إلى هذه المرتبة العظيمة إلا بعد أن سمعت ما قاله كهنتنا فيه. وها أنا أبكي يا (سنوحي) لأنني حملت في قلبي حقداً على هذا الإله العظيم بدلاً من الحب والإجلال طوال سنوات عديدة، حقاً لقد كنت في ضلال كبير».

ويقول (سنوحي) وعندما كان (إخناتون) يكرر هذه الكلمات بإيمان راسخ، كنت أنظر إلى أعضائه المقطوعة وصورته المشوهة وأنا حائر فيما أسمع، وكأنه قرأ ما يدور في خلدي، وإذا به يصرخ في بملء شدقيه: «لقد كان (أمفسيس) على حق فيما فعله بي؛ لأنني لم أستجب إلى أوامر الآلهة، وهذا هو جزاء كل من يعصي الإله الذي خلقه وأحبه، وأي سعادة أعظم للمرء من أن ينال جزاء أعماله الذي يستحق على يد الإله لا على يد غيره».