الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٥٤154
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
معدنه، وتلقى الفقه من حملته الأمناء، الذين لم تستهوهم مطامع الدنيا ولم يرق لهم بريقها الخلاب فكانت بسبب هذا مدرسته التي أنشأها بعيدة عن التأثر بالسياسة السائدة، التي انحرفت بأتباعها، فكانوا أبواقا لدعايات الباطل وتبرير الظلم وتسويغ الفساد، كما سبق في شأن الأربعين، الذين شهدوا أن الخليفة لا حساب عليه ولا عقاب.
وتميزت هذه المدرسة، بأنها كانت خطاها نتيجة دراسة عميقة وفهم واع وتخطيط سليم، إذ لم تكن اندفاعا بتأثير عاطفة ملتهبة وحماس متأجج، كما كانت حركات الخوارج، التي أجهز عليها قبل أن تحقق رجاء وتصل إلى غاية، وإنما كان من طبيعتها طول النفس وقوة الصبر، ولذلك لم يندفع الإمام أبو الشعثاء وراء رغبة النفس في الثورة على الباطل ومحاولة
استئصال شأفته،
قبل
أن يعد
لذلك عدته.
ولهذا عني بإعداد الرجال الذين يجمعون بين عمق التصور وإحكام الخطى، وبين الهمم العالية والصبر الشديد، ويخلصون الله تعالى أقوالهم وأعمالهم، وينذرون له حياتهم، ويسخرون في نصرة دينه طاقاتهم، فأعد لفيفا من الرجال، الذين يعد كل منهم أمة في رجل ورجلا في أمة، وقد لقي الله تعالى قبل أن تتحقق أمنيته في الإثثار للحق والانتصار من الباطل، وإنما سلم القيادة من بعده لتلميذه العملاق القائد المحنك أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء، الذي قاد السفينة بحنكة الربان الماهر وخبرة الرائد الحصيف، وكان عزمه وإخلاصه لله تعالى وابتغاؤه ما عنده قوته وعتاده، وصبره على الشدائد والمكاره درعه الواقي وحصنه الحصين. فقد ابتلاه الله تعالى فصبر وشكر واجتاز مراحل البلاء بنجاح وتوفيق، أخيه
ومن ذلك تسلط الحجاج عليه، وإلقاؤه في غياهب السجون مع وحميمه ضمام بن السائب وإهمالهما حتى كانا يجزان شاربهما بأسنانهما،