الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٥٥القسم الأول: مظاهر الاستبداد
155
وقد تفنن الطاغية في إيذائهما، حتى استشار طبيبا مجوسيا فيما يطعمهما من طعام يعذبهما، فأشار عليه أن يطعمهما الزيت والكراث، وربما ضاق ضمام ذرعا من ذلك، فيقول له أبو عبيدة على من تضيق؟ (1).
وذكر البدر الشماخي على أن رجلا من المسلمين يسمى أبا سالم سجن معهما، ذكر أنهم يوما قالوا لرجل ممن يدخل عليهم: «اشو لنا دجاجة، وآتنا بأربعة أرغفة، وصانع عليها صاحب السجن، فلما أوصلها واقتسمناها، فإذا بجلبة نحو البيت الذي نحن فيه، فخفنا أن يكون فطن بنا، فرمينا بالجميع في الكنيف، فإذا لم يفطن بنا، فكان طرحنا لها أشد علينا مما مر
للمعاينة» (2).
وهي قصة تنبئ عن معاناتهم في السجن حيث كانوا يحرمون من الطعام المألوف ويطعمون ما لم يؤلف وتشدد عليهم الرقابة، غير أن أبا عبيدة وضماما صبرا على هذا كله حتى أتاهما الفرج بهلاك الحجاج، ومع شدة الرقابة التي فرضت عليهما بعد إطلاق سراحهما أبي أبو عبيدة إلا أن يقوم بدوره الريادي في إبلاغ رسالة الحق وتبصير الناس بالإسلام، وإعداد جيل من المؤمنين يحمل الأمانة إلى آفاق الأرض.
وقد عمد إلى سرداب في الأرض، فجعله مدرسة له، يربي فيها رجالا يعرفون كيف يحملون الأمانة ويؤدونها وكيف يصبرون على المكاره ويضحون بالنفس والنفيس في سبيل الحق، وكان يظهر للعامة أنه وتلامذته يعتنون في ذلك السرداب بصنع القفاف - ولذلك اشتهر بالقفاف، وقد وضع على باب السرداب سلسلة تتحرك بالضغط على ما حولها في المرور،
(1) ينظر: كتاب السير، لأحمد بن سعيد الشماخي، ج 1، ص 81، سلطنة عُمان وزارة التراث والثقافة، 1407 هـ، تحقيق أحمد
القومي
بن سعود السيابي.
(2) ينظر: المرجع السابق، ص 89.